الجوع \ كنوت هامسون

 




تعتبر رواية الجوع  التي نشرت لأول مرة في عام 1890 للكاتب النرويجي كنوت هامسون علامة فارقة في تاريخ الأدب العالمي وبداية حقيقية للأدب الحداثي وتيار الوعي النفسي قبل أن يتبلور هذا المصطلح مع كتاب مثل جيمس جويس وفرجينيا وولف تعد هذه الرواية صرخة وجودية مدوية تغوص في أعماق النفس البشرية حين تتجرد من كل شيء إلا وعيها المتألم لا تدور الرواية حول الجوع المادي للطعام فحسب بل تتجاوزه لتطرح تساؤلات حول جوع الروح وجوع الفنان للاعتراف وجوع الإنسان للمعنى في عالم يبدو باردا وغير مكترث بآلام الفرد تدور أحداث الرواية في مدينة كريستيانيا (أوسلو حاليا) وتتبع قصة راوٍ مجهول الاسم يسعى لكسب عيشه ككاتب ومثقف ولكنه ينزلق ببطء نحو هاوية الفقر المدقع والجوع المميت ما يميز هذا العمل هو انعدام الحبكة التقليدية فالقصة لا تتعلق بصعود البطل أو سقوطه بقدر ما تتعلق بتذبذب حالته النفسية والعقلية تحت وطأة الحرمان الفسيولوجي وتأرجحه بين الهلوسة والواقع وبين الكبرياء المفرط والذل التام إنها دراسة سريرية لتفكك الشخصية الإنسانية وعنادها في آن واحد وقد أثرت هذه الرواية بشكل مباشر في كتاب عظام مثل فرانز كافكا وإرنست همنغواي وهنري ميلر مما يجعلها وثيقة أدبية ونفسية لا غنى عنها لفهم تطور الرواية النفسية في القرن العشرين.


القسم الأول: السقوط في الهاوية ومحاولة التمسك بالكرامة


يبدأ الفصل الأول بتقديم الراوي وهو يتجول في شوارع كريستيانيا وتبدو عليه علامات الفقر والجوع منذ اللحظة الأولى نرى الصراع الأساسي وهو محاولة الراوي الحفاظ على مظهره وكرامته كشخص محترم ومثقف رغم خواء معدته يصف هامسون بدقة مرعبة كيف يؤثر الجوع على الحواس فيجعلها مفرطة الحساسية وكيف يؤثر على العقل فيجعله نهبا للأفكار الغريبة والهلوسات يحاول الراوي بيع مقالاته للصحف لكنه يواجه الرفض المتكرر مما يضطره لبيع مقتنياته القليلة الواحدة تلو الأخرى حتى أزرار معطفه ونظارته القديمة وفي هذا القسم تبرز فلسفة الكبرياء المرضي حيث يرفض الراوي المساعدة أو الصدقة حتى وهو يتضور جوعا بل ويقوم بتصرفات غير منطقية كإعطاء ما تبقى معه من قروش قليلة لمتسولين آخرين ليثبت لنفسه وللعالم أنه ليس مفلسا تماما.


 من القسم الأول:

يقول الراوي واصفا حالته العقلية المتأرجحة

كان ذلك في تلك الأيام التي تضورت فيها جوعا في كريستيانيا تلك المدينة العجيبة التي لا يغادرها أحد قبل أن تترك سماتها عليه كنت مستلقيا في غرفتي العلية مستيقظا وسمعت دقات الساعة تدق السادسة في الطابق السفلي كان ضوء الصباح قد انتشر وبدأ الناس يصعدون وينزلون السلالم شعرت بالجوع الشديد وقررت الخروج لم يكن لي أي أمل في الحصول على إفطار وعدت إلى التفكير في حالتي المزرية إن الفقر قد شحذ ذكائي وجعلني حساسا لكل شيء لقد أصبحت مراقبا دقيقا لكل التفاصيل الصغيرة تعابير وجوه الناس حركاتهم وحتى الأشياء الجامدة بدت وكأنها تتحدث إلي وتراقبني.


يظهر هذا المقطع الافتتاحي الشهير جوهر الرواية فالجوع هنا ليس مجرد حالة فسيولوجية بل هو عدسة مكبرة يرى من خلالها العالم الجوع يحول الراوي إلى كائن مفرط الحساسية حيث تتلاشى الحواجز بين الداخل والخارج وتصبح الأشياء الجامدة ذات دلالات ومعان مرعبة يشير هذا إلى بداية الانفصال عن الواقع حيث يصبح العقل تحت ضغط الحرمان مصنعا للهلوسات والتحليلات المفرطة


 القسم الثاني: ليلة في الزنزانة وصراع الأنا


في هذا الجزء يشتد الجوع بالراوي لدرجة أنه يفقد مأواه ويضطر لقضاء ليلة في زنزانة الشرطة مدعيا أنه صحفي فقد مفتاح منزله لكي يتجنب وصمة التشرد يمثل هذا القسم ذروة العبثية واليأس حيث يجلس الراوي في الظلام الدامس في الزنزانة ويبدأ عقله في نسج خيالات لحماية نفسه من الانهيار يخترع كلمة جديدة لا معنى لها كوبوا ويحاول إيجاد معنى لها في صراع لغوي وفلسفي يعكس رغبته في السيطرة على واقعه ولو لغويا رغم عجزه عن السيطرة عليه ماديا هنا يبرز هامسون كيف أن الجوع لا يقتل الإبداع فورا بل قد يحوله إلى طاقة هذيان مدمرة حيث يصبح العقل نشطا بشكل مرضي بينما الجسد يذوي.


من القسم الثاني:

جلست في الظلام وبدأت الأفكار تتدافع في رأسي فكرت في كلمة كوبوا كلمة اخترعتها للتو ولها وقع غريب في أذني ما الذي تعنيه هذه الكلمة نعم إنها كلمة مهمة ولها دلالة روحية عميقة حاولت أن أجد لها مكانا في اللغة هل هي اسم أم فعل لا بد أنها تعني شيئا عظيما وشيئا مخيفا في الوقت نفسه جلست هناك في الزنزانة المظلمة أردد الكلمة مرارا وتكرارا كتعويذة سحرية تحميني من الجنون أو ربما كانت هي الجنون بعينه وفي تلك اللحظة شعرت أنني لست وحيدا بل كان هناك وجود آخر معي في الظلام وجود صنعته من خيالي ليؤنس وحدتي.


هذا المشهد يعكس ببراعة محاولة العقل البشري خلق المعنى من العدم كلمة كوبوا تمثل العبث الوجودي فالراوي يحاول فرض نظام لغوي على فوضى حياته إنه يوضح كيف يعمل عقل الفنان حتى في أحلك الظروف محاولا تحويل المعاناة إلى ابتكار حتى لو كان هذا الابتكار مجرد كلمة بلا معنى إنه هروب من واقع الجسد الجائع إلى رحابة الخيال اللغوي.


 القسم الثالث: العلاقة مع يلايالي والتوتر العاطفي


يدخل الراوي في علاقة غريبة ومعقدة مع امرأة يطلق عليها اسم يلايالي وهي امرأة من الطبقة المتوسطة ينجذب إليها وتنجذب هي لغرابته وكثافته العاطفية في هذا القسم نرى تداخل الجوع الجنسي والعاطفي مع الجوع الجسدي تتأرجح مشاعر الراوي بين الرغبة في الحب والخجل من فقره وهيئته الرثة يحاول أن يلعب دور العاشق النبيل لكن أمعاءه الخاوية وثيابه الرثة تفضحه دائما العلاقة هنا ليست رومانسية بالمعنى التقليدي بل هي مسرح للصراع الطبقي والنفسي حيث يشعر الراوي بالدونية والتفوق في آن واحد فهو يرى نفسه عبقريا سيئ الحظ بينما يراها مجرد امرأة عادية لكنه في الوقت نفسه يتسول عاطفتها.


 من القسم الثالث:

قلت لها وأنا أحاول أن أبدو متماسكا سيدتي أنا لست كما تظنين أنا كاتب ولي مكانتي ولكن الظروف عاندتني قليلا نظرت إلي بعينين فيهما خليط من الشفقة والاشمئزاز وكان ذلك نظرة قتلتني أكثر من الجوع شعرت برغبة مفاجئة في أن أعترف لها بكل شيء أن أقول لها إني لم آكل منذ ثلاثة أيام وإني أنام في العراء ولكني بدلا من ذلك ضحكت ضحكة هستيرية وقلت شيئا سخيفا عن الطقس يا إلهي لماذا يمنعنا الكبرياء من أن نكون بشرا لماذا نفضل الموت جوعا على أن نظهر ضعفنا أمام من نحب إنها تلك اللعنة الأبدية لعنة الكرامة التي لا تغني من جوع.


يجسد هذا الاقتباس المأساة المركزية في الرواية الصراع بين الطبيعة البيولوجية (الحاجة للطعام والمساعدة) وبين البناء الاجتماعي والنفسي (الكرامة والكبرياء) الراوي يفضل العذاب الصامت على شفقة الآخرين خاصة شفقة المرأة التي يميل إليها هذا يوضح أن جوع الراوي ليس فقط للطعام بل للاحترام ولصورة الذات المتماسكة التي يخشى أن تتهشم إذا اعترف بضعفه.


 القسم الرابع: الانهيار والرحيل المفاجئ


في القسم الأخير يصل الراوي إلى أقصى درجات اليأس يطرد من مسكنه بسبب عدم دفع الإيجار وتفشل كل محاولاته في الكتابة حيث يصبح عقله مشوشا تماما وجسده منهكا يصل إلى مرحلة من العدمية حيث يتحدى السماء في مونولوجات طويلة مليئة بالغضب والألم وفي لحظة غير متوقعة ودون تخطيط مسبق يقرر الراوي أن ينهي هذا العذاب ليس بالانتحار بل بالهرب يذهب إلى الميناء ويقبل العمل على متن سفينة روسية متجهة إلى مكان بعيد مودعا كريستيانيا وجوعه وكتاباته النهاية تأتي مبتورة ومفاجئة تماما مثل قرارات الجوع مما يترك القارئ في حالة من الذهول والتساؤل.


 من القسم الرابع:

وقفت ونظرت إلى السماء وصرخت بصوت مبحوح أيها الرب لماذا تطاردني أنا بالذات ما الذي فعلته لأستحق هذا العذاب هل تتسلى برؤيتي أتحطم ببطء لقد أخذت مني كل شيء قوتي وموهبتي وحتى قدرتي على النوم ولكنك لن تأخذ كبريائي أنا لست أيوب ولست قديسا أنا مجرد إنسان جائع يرفض أن يركع ثم فجأة هدأت العاصفة في داخلي ومشيت نحو الميناء رأيت السفينة الروسية وسألت القبطان إن كان يحتاج إلى رجل لا يهم إلى أين تذهب السفينة المهم أن ترحل من هنا بعيدا عن هذه المدينة التي تأكل أبناءها.


هذا المونولوج يمثل ذروة التمرد الوجودي الراوي يرفض لعب دور الضحية الخانعة ويواجه الميتافيزيقا بغضب عارم قراره بركوب السفينة يمثل رفضا للحلول التقليدية (الموت أو النجاح) واختيارا للمجهول إنه انتصار لإرادة الحياة والحركة على الجمود والموت البطيء النهاية ليست سعيدة بالضرورة لكنها تحرر.



رواية الجوع ليست رواية اجتماعية عن الفقر بل هي رواية نفسية بامتياز يقدم هامسون ما أسماه همسات الدم وتوسلات نخاع العظم مركزا على اللاوعي والدوافع غير العقلانية للسلوك البشري.

فلسفة الجوع الجوع عند هامسون حالة ميتافيزيقية تكشف حقيقة الإنسان عندما يتم تجريده من قشور الحضارة إنه يعري النفس ويجعل الزمن يتباطأ ويمنح التفاصيل التافهة أهمية قصوى.

الذاتية المطلقة الرواية محبوسة تماما داخل جمجمة الراوي لا نعرف الحقيقة الموضوعية بل نرى العالم مشوها عبر حواسه الجائعة هذا هو الأساس لما عرف لاحقا بتيار الوعي.

الفنان المنبوذ يجسد الراوي صورة الفنان الحداثي المغترب عن مجتمعه الذي يرى في معاناته وقودا لإبداعه ولكنه في الوقت نفسه يدفع ثمنا باهظا من صحته العقلية والجسدية.

الكبرياء والعدمية يطرح هامسون تساؤلا حول جدوى القيم الأخلاقية مثل الكرامة أمام الغريزة البيولوجية للبقاء الراوي بطل إشكالي (Anti-hero) يثير الشفقة والغضب في آن واحد.



تعتبر الجوع تحفة فنية لا تهادن القارئ إنها تضعك وجها لوجه مع الهشاشة البشرية لغة هامسون متوترة عصبية ومليئة بالقفزات الذهنية التي تحاكي عقل الجائع ببراعة يرى النقاد أن عظمة الرواية تكمن في خلوها من الموعظة الأخلاقية فهي لا تدين المجتمع ولا تمجد الفقر بل تصور التجربة الإنسانية في أقصى حالاتها تطرفا وحيادية.

ختاما إن رواية الجوع تجربة قرائية شاقة ولكنها ضرورية إنها تذكرنا بأن الحضارة قشرة رقيقة جدا وأن الوحش الكامن فينا (الجوع/الغريزة) قد يستيقظ في أية لحظة ليحطم كل ما بنيناه من قيم ومبادئ هامسون لم يكتب قصة عن رجل جائع بل كتب سيرة ذاتية للجوع نفسه.


هل تعتقد أن إبداع الراوي وتميزه الفكري كان نتاجا لجوعه ومعاناته أم أن الجوع كان العائق الذي منعه من تحقيق إمكانياته الكاملة؟ وهل يمكن للفن الحقيقي أن يولد دون ألم؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

الوعي كحدث كوني

في فلسفة الضحك والوجع

كتاب الإبداع والمرض النفسي: جيمس سي كوفمان

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته

ليالي سانت بطرسبرغ \ جوزيف دي ميستر

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا