جزيرة العار ومتاهة السلطة المطلقة دراسة تحليلية في سيكولوجية النخبة وسقوط الأخلاق

 




في قلب البحر الكاريبي حيث تتلألأ المياه الفيروزية وتعانق السماء زرقة المحيط تقع بقعة جغرافية تحولت في الوعي الجمعي العالمي من فردوس استوائي إلى رمز مكثف للشر المطلق والانحطاط الأخلاقي إنها جزيرة ليتل سانت جيمس أو ما بات يعرف بجزيرة إبستين هذه الجزيرة لم تكن مجرد مسرح لجرائم جنسية أو انتهاكات قانونية فحسب بل كانت تجسيدا حيا ومرعبا لمعضلات فلسفية قديمة ناقشها المفكرون منذ فجر التاريخ إنها تمثل المكان الذي تسقط فيه القوانين وتتعطل فيه الأعراف وحيث يمارس الإنسان الذي يمتلك المال والسلطة حقيقته العارية دون أقنعة. هذا التقرير لا يسعى لسرد الوقائع الجنائية التي باتت معروفة للجميع بل يغوص في العمق الفلسفي لهذه الظاهرة محاولا تفكيك البنية الفكرية والنفسية التي سمحت بوجود مثل هذا المكان وكيف يمكن قراءة ما حدث من خلال نظريات الفلسفة السياسية والأخلاقية وعلم الاجتماع إننا أمام نموذج حي لما أطلق عليه الفلاسفة حالة الاستثناء حيث يعيش السيد فوق القانون ويمارس سيادته على أجساد الآخرين باعتبارهم مجرد أدوات للمتعة إن جزيرة إبستين ليست مجرد مكان بل هي حالة ذهنية وفلسفية تكشف هشاشة الحضارة أمام غواية القوة المطلقة.


الفصل الأول: أسطورة خاتم جيجس وإشكالية الاختفاء عن الأنظار


لعل أول مدخل لفهم ما حدث في تلك الجزيرة هو العودة إلى أفلاطون وكتابه الخالد الجمهورية وتحديدا أسطورة خاتم جيجس التي يرويها غلوكون لسقراط القصة تدور حول راعي غنم عثر على خاتم يمنحه القدرة على الاختفاء وبمجرد أن أدرك قوته الجديدة استخدمها لقتل الملك وإغواء الملكة والاستيلاء على السلطة الفكرة هنا هي أن الإنسان لا يلتزم بالأخلاق حبا في الفضيلة بل خوفا من العقاب أو الفضيحة فإذا امتلك الإنسان القدرة على الاختفاء أي الإفلات من العقاب والمراقبة فإنه سيفعل أفظع الجرائم.


 من كتاب الجمهورية لأفلاطون:

لنفترض أن هناك خاتمين من هذا النوع يرتدي أحدهما رجل عادل ويرتدي الآخر رجل ظالم لن يوجد إنسان ذو طبيعة فولاذية صلبة بحيث يظل ثابتا في طريق العدالة ولن يجرؤ إنسان على أن يكف يده عما ليس له في حين أنه يستطيع أن يأخذ من السوق ما يشاء دون خوف وأن يدخل البيوت ويضاجع من يشاء وأن يقتل من يشاء ويطلق سراح من يشاء من السجن ويفعل ما يشاء بين الناس وكأنه إله وسوف يسلك الرجل العادل نفس مسلك الظالم تماما وسوف ينتهي بهما الأمر إلى نفس النقطة وهذا دليل قوي على أن أحدا لا يكون عادلا باختياره بل هو مضطر لذلك.


إن جزيرة إبستين كانت هي التجسيد الواقعي لخاتم جيجس العزلة الجغرافية والسرية التامة وشبكة النفوذ التي تحمي الزوار وفرت لهم (خاتم الإخفاء) الذي تحدث عنه أفلاطون الأثرياء والساسة الذين زاروا الجزيرة كانوا يعتقدون أنهم في مأمن من أعين المجتمع والقانون وبالتالي سقط القناع الاجتماعي المهذب وظهرت الطبيعة البشرية في أسوأ صورها الشهوانية والوحشية هذا يثبت وجهة نظر غلوكون المتشائمة بأن الأخلاق هي قيد اجتماعي وليست وازعا داخليا عند الكثير من النخبة.


الفصل الثاني: الماركيز دي ساد وفلسفة الشر المطلق


لا يمكن الحديث عن جزيرة معزولة تمارس فيها الرذيلة دون استحضار الفيلسوف والكاتب الفرنسي الماركيز دي ساد الذي اشتق منه مصطلح السادية في رواياته وتحديدا رواية (120 يوما في سدوم) يصور دي ساد مجموعة من الأرستقراطيين الذين يحبسون أنفسهم في قلعة معزولة (شاتو دو سيلينج) لممارسة كل أنواع الفجور والتعذيب على ضحايا مختطفين بعيدا عن أي رادع ديني أو قانوني.


 من كتاب جوستين أو مصائب الفضيلة للماركيز دي ساد:

أليست القوانين هي التي تضع العوائق أمام أهوائنا وتكبح جماح رغباتنا إذن ما دمنا نمتلك القوة لتحطيم هذه القوانين أو الحيلة لتجاوزها فلماذا نتردد للحظة واحدة في تلبية نداء الطبيعة التي تدفعنا نحو اللذة إن الضعيف وجد ليكون ضحية للقوي وتلك هي شريعة الغابة التي هي أصدق من كل شرائعكم الأخلاقية الزائفة إن متعتي تكمن في تحطيم الآخر وفي إخضاعه كليا لإرادتي حتى يتلاشى وجوده أمام سطوة وجودي.


ما حدث في الجزيرة هو تطبيق حرفي لفلسفة دي ساد الليبرتارية المتطرفة حيث يعتبر (الليبيدو) أو الرغبة الجنسية هي المحرك الأساسي والوحيد وتصبح الأجساد الأخرى مجرد (أشياء) للاستهلاك يرى دي ساد أن النخبة التي تمتلك المال والسلطة لها الحق الطبيعي في استغلال الطبقات الأدنى فلسفة إبستين وشركائه كانت تقوم على مبدأ أنهم (آلهة صغيرة) يحق لهم صياغة قوانينهم الخاصة وتجاوز مفاهيم الخير والشر التقليدية الجزيرة كانت هي (قلعة سيلينج) الحديثة حيث يتم تعليق الأخلاق لمصلحة المتعة السادية.


الفصل الثالث: ميشيل فوكو والسلطة الحيوية والسيطرة على الأجساد


يقدم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتبه مثل (المراقبة والعقاب) و(تاريخ الجنسانية) تحليلا دقيقا لكيفية ممارسة السلطة على الأجساد ما يعرف بالسياسة الحيوية أو البيوبوليتيك في حالة إبستين لم تكن المسألة مجرد رغبة جنسية بل كانت ممارسة للسلطة والهيمنة امتلاك أجساد القاصرين والتحكم في مصيرهم هو الشكل الأقصى للسلطة.


 من كتاب تاريخ الجنسانية المجلد الأول لميشيل فوكو:

إن السلطة ليست مجرد قمع بل هي منتجة إنها تنتج الواقع وتنتج مجالات من الطقوس وتنتج الحقيقة إن الجسد هو المكان الذي تمارس فيه السلطة أدق تفاصيلها الجنسانية هي نقطة العبور المفضلة للسلطة لأنها تسمح بالسيطرة على الفرد في أكثر مناطق حياته حميمية وعمقا إن تحويل الجنس إلى خطاب وإلى سر يجب استخراجه هو جزء من آليات السيطرة الحديثة.


من منظور فوكوي كانت الجزيرة مساحة معمارية مصممة لممارسة السلطة المطلقة الكاميرات المخبأة وشبكات الابتزاز تعكس مفهوم (البانوبتيكون) أو السجن الذي يرى فيه الحارس كل شيء دون أن يراه أحد إبستين لم يكن يتاجر بالجنس فقط بل كان يتاجر (بالمعلومة) و(السيطرة) من خلال توريط النخبة وتسجيل أفعالهم هو يمارس سلطة المعرفة عليهم الأجساد هناك تم تجريدها من إنسانيتها وتحويلها إلى أرقام في معادلة نفوذ دولية.


الفصل الرابع: حنة أرندت وتفاهة الشر


قد يتساءل البعض كيف يمكن لأشخاص يبدون محترمين علماء ورؤساء وفنانين أن يشاركوا أو يغضوا الطرف عن مثل هذه الجرائم هنا تأتي الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت ومفهومها الشهير (تفاهة الشر) الذي صاغته أثناء محاكمة أدولف أيخمان الشر ليس بالضرورة أن يكون فعلا شيطانيا يقوم به وحوش بل قد يكون فعلا بيروقراطيا يقوم به أشخاص عاديون توقفوا عن التفكير النقدي.


من كتاب أيخمان في القدس حول تفاهة الشر لحنة أرندت:

إن المشكلة مع أيخمان لم تكن في أنه وحش سادي بل في أنه كان شخصا طبيعيا بشكل مرعب كان عجزه عن التفكير هو الذي مكنه من أن يصبح واحدا من أكبر المجرمين في ذلك الوقت إن الشر يتفشى حينما يتنازل الناس عن مسؤوليتهم الأخلاقية الفردية ويذوبون في النظام حينما يصبح الولاء للمجموعة أو للنخبة أهم من الضمير الإنساني هذا النوع من الشر هو الأكثر رعبا لأنه يمكن أن يصدر عن أي شخص يتوقف عن مساءلة الواقع.


زوار الجزيرة والمشاركون في الشبكة لم يكونوا جميعا ساديين بالمعنى المرضي بل كثير منهم انزلقوا في ما يمكن تسميته (تطبيع الفساد) وجودهم في دائرة النخبة وشعورهم بالاستحقاق جعلهم يعلقون تفكيرهم النقدي لقد برروا أفعالهم بأن (الجميع يفعل ذلك) أو أن هؤلاء الفتيات (مختلفات) الشر هنا تافه لأنه نابع من سطحية أخلاقية ومن انغماس في ملذات آنية دون التفكير في العواقب الإنسانية الكارثية للضحايا إنها منظومة جعلت من استغلال البشر أمرا اعتياديا (Banal).


الفصل الخامس: كارل ماركس وتسليع الإنسان


لا يمكن إغفال الجانب المادي والاقتصادي في هذه القضية الفلسفة الماركسية ترى أن الرأسمالية في مراحلها المتوحشة تحول كل شيء إلى سلعة بما في ذلك الإنسان نفسه في الجزيرة لم تكن الفتيات بشرا بل كن (بضائع) يتم تبادلها لتعزيز العلاقات بين رجال الأعمال والسياسيين.


 من البيان الشيوعي لكارل ماركس وفريدريك إنجلز:

لقد جردت البرجوازية كل الفعاليات التي كان ينظر إليها حتى ذلك الحين بمهابة وخشوع من هالتها المقدسة وحولت الطبيب ورجل القانون والكاهن والشاعر والعالم إلى أجراء في خدمتها لقد مزقت البرجوازية القناع العاطفي للعائلة واختزلت علاقاتها إلى علاقات مادية صرفة في هذا النظام لا يبقى أي رابط بين الإنسان والإنسان سوى المصلحة العارية والدفع نقدا بلا عاطفة.


ما حدث هو قمة (التشييء) Reification حيث يتحول الإنسان إلى شيء الجزيرة هي سوق سوداء رأسمالية متطرفة حيث القيمة الوحيدة هي للمال والنفوذ العلاقات التي بنيت هناك لم تكن علاقات صداقة إنسانية بل تحالفات مصالح تم تعميدها من خلال استهلاك (سلعة) محرمة وهي أجساد القاصرين هذا يؤكد رؤية ماركس بأن المال عندما يصبح هو المعيار الوحيد تنهار كل القيم الإنسانية


 سقوط الأقنعة وبقاء السؤال:


إن جزيرة إبستين ليست حدثا عابرا في سجل الجريمة بل هي جرح غائر في جسد الحضارة الحديثة ومرآة عاكسة للجانب المظلم من النفس البشرية لقد كشفت هذه الجزيرة أن التطور التكنولوجي والثراء الفاحش والوصول إلى أعلى درجات التعليم والسلطة لا يعني بالضرورة ارتقاء أخلاقيا بل قد يكون وسيلة لتمكين وتغليف البربرية البدائية بأغلفة حريرية لقد رأينا من خلال هذا التحليل كيف تضافرت فلسفات القوة واللذة والسيطرة لتخلق جحيما أرضيا للضحايا وجنة زائفة للجناة.


لقد أثبتت هذه القضية أن (العقد الاجتماعي) الذي تحدث عنه جان جاك روسو هو عقد هش للغاية يمكن تمزيقه بسهولة خلف الأسوار العالية وفي الجزر المعزولة إنها تذكير قاس بأن الشر لا يختبئ دائما في الأزقة المظلمة والفقيرة بل قد يرتدي أفخر البدلات ويسكن أجمل القصور.



إذا كانت الحضارة والقوانين والأعراف الاجتماعية تسقط فور امتلاك الإنسان لـ (خاتم جيجس) أي القدرة على الإفلات من العقاب فهل الأخلاق الإنسانية حقيقة وجودية أصيلة فينا أم أنها مجرد مسرحية نؤديها ببراعة ما دمنا تحت المراقبة؟



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

الوعي كحدث كوني

في فلسفة الضحك والوجع

كتاب الإبداع والمرض النفسي: جيمس سي كوفمان

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته

ليالي سانت بطرسبرغ \ جوزيف دي ميستر

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا