هل حقاً الحياة تستحق كل هذا العناء؟

 





متأملاً في ماهية الوجود ومعنى المعاناة، نقف اليوم أمام سؤال الذي لا يمثل مجرد استفهام عابر، بل هو الصرخة الوجودية الكبرى التي رددتها البشرية عبر العصور. إن السؤال عما إذا كانت الحياة تستحق العناء ليس سؤالاً يُجاب عنه بنعم أو لا، بل هو رحلة في أعماق الروح البشرية واصطدامها بجدار الواقع الصلب. سنغوص في أفكار أربعة من أعظم العقول التي شيدت صروح الفلسفة الوجودية والتشاؤمية، لنستعرض رؤاهم التي شكلت وعينا بالمعاناة والجدوى.




رائد التشاؤمية الفلسفية آرثر شوبنهاور في كتابه "العالم كإرادة وتمثل"


يرى شوبنهاور أن جوهر العالم ليس العقل أو المادة، بل هو "إرادة" عمياء، وهي قوة دافعة لا تهدأ ولا تشبع، تدفعنا دائماً نحو الرغبة. وبالنسبة له، فإن الحياة ليست إلا تأرجحاً مستمراً بين الألم والملل. عندما نرغب في شيء ولا نناله، نتألم، وعندما نناله، نصاب بالملل، ثم تبحث الإرادة عن رغبة جديدة لتبدأ الدائرة من جديد. 

يقول شوبنهاور: 

"إن كل رغبة تنبع من نقص، من حالة عدم رضا عن وضع المرء، فهي بالتالي معاناة طالما لم يتم إشباعها؛ ولكن لا يوجد إشباع دائم، بل هو بالأحرى مجرد نقطة انطلاق لرغبة جديدة. نحن نرى الرغبة دائماً معاقة، والنزاع في كل مكان، وبالتالي المعاناة دائماً؛ لا يوجد هدف نهائي للجهد، وبالتالي لا يوجد حد أو نهاية للمعاناة. إن الحياة تتأرجح مثل البندول، ذهاباً وإياباً بين الألم والملل، وهما في الواقع مكوناها الأساسيان. وبعد أن ساق الإنسان كل الآلام والعذابات إلى الجحيم، لم يتبقَ للفردوس سوى الملل". 

يحلل شوبنهاور الوجود على أنه خطأ فادح، وأن العناء ليس عرضاً جانبياً، بل هو لب التجربة الحيوية، والسبيل الوحيد للنجاة في نظره هو الزهد الجمالي أو إنكار الإرادة.




ننتقل بعد ذلك إلى ألبير كامو، الذي واجه العبث وجهاً لوجه في كتابه "أسطورة سيزيف" 


كامو لا ينكر العناء، بل يجعله منطلقاً لفلسفته. العبث عنده هو الصدام بين رغبة الإنسان في المعنى وصمت الكون المطبق. سيزيف، المحكوم عليه بدفع صخرة إلى قمة الجبل لتسقط دائماً، هو رمز للإنسان. 

ومع ذلك، يطرح كامو رؤية ثورية، حيث يقول: 

"إنني أترك سيزيف عند سفح الجبل! فالمناضل تجاه القمم يكفي وحده لملء قلب الإنسان. يجب أن نتخيل سيزيف سعيداً. إن هذا الكون الذي بات بلا سيد لا يبدو له عقيماً ولا تافهاً. فكل حبة من هذا الحجر، وكل شظية معدنية من هذا الجبل المظلم، تؤلف في حد ذاتها عالماً. إن الوعي بالعبث هو الذي يمنحنا الحرية. إن سيزيف يعلم أن حياته ملك له، وأن صخرته هي شيؤه الخاص. وبالمثل، فإن الإنسان العبثي، عندما يتأمل في عذابه، يُسكت جميع الأصنام". 

يرى كامو أن الحياة تستحق العناء لا لأنها تحمل معنى ميتافيزيقياً، بل لأن التمرد على العبث في حد ذاته هو فعل نبيل يمنح الإنسان كرامته.




"الإنسان يبحث عن معنى" لفيكتور فرانكل. فرانكل لم يكتب فلسفته من برج عاجي، بل من داخل معسكرات الاعتقال النازية


 يقدم فرانكل "العلاج بالمعنى"، مؤكداً أن الإنسان يمكنه تحمل أي "كيف" إذا وجد الـ "لماذا". 

يقول فرانكل: 

"إننا الذين عشنا في معسكرات الاعتقال يمكننا أن نتذكر أولئك الرجال الذين كانوا يسيرون عبر الأكواخ، يعزون الآخرين، ويعطونهم آخر كسرة خبز لديهم. قد يكونون قليلين في العدد، لكنهم يقدمون دليلاً كافياً على أنه يمكن أخذ كل شيء من الإنسان باستثناء شيء واحد: آخر الحريات البشرية، وهي أن يختار المرء موقفه تجاه أي مجموعة معينة من الظروف، أن يختار طريقه الخاص. عندما لا نعود قادرين على تغيير موقف ما، فإننا نواجه تحدياً لتغيير أنفسنا. إن المعاناة تتوقف عن كونها معاناة في اللحظة التي نجد لها معنى، مثل معنى التضحية". 

فرانكل يرى أن العناء هو الوعاء الذي يُصهر فيه المعنى، وأن الحياة تستحق العناء طالما أن هناك شيئاً أو شخصاً ينتظرنا لنقوم بمهمة لا يمكن لغيرنا القيام بها.




 إيميل سيوران في كتابه "المياه كلها بلون الغرق" أو "المثالب عن الولادة". سيوران هو فيلسوف العدمية واليأس الذي يرى أن المشكلة ليست في العيش، بل في الولادة نفسها. 


كتاباته تتسم بالسوداوية الحادة لكنها صادقة لحد الوجع. يقول سيوران: 

"ليس من المستحق عناء قتل النفس، لأننا دائماً ما نقتل أنفسنا بعد فوات الأوان. إن المأساة الحقيقية هي أننا وُجدنا. نحن نتنفس في عالم من الأنقاض، ونحاول أن نجد أعذاراً لبقائنا. إن الوعي هو لعنة، فكلما زاد وعي الإنسان، زاد شعوره بالغربة عن الوجود. ومع ذلك، فإن هذه السوداوية هي التي تحررنا من الأوهام. إنني أعيش فقط لأنني أستطيع أن أموت متى شئت؛ لولا فكرة الانتحار لكانت الحياة لا تُطاق". 

سيوران يرى أن الحياة عبارة عن "هزيمة مستمرة"، لكنه من خلال كتابته وتحليله لهذه الهزيمة، يخلق نوعاً من الجمال الجنائزي الذي يجعل القارئ يشعر بأنه ليس وحيداً في يأسه.




بالنظر إلى هذه الآراء المتباينة، نجد أن الخبراء في الفلسفة الوجودية ينقسمون إلى معسكرين: معسكر يرى العناء كخلل بنيوي في الوجود لا حل له سوى الانكفاء أو العدم، ومعسكر يرى العناء كمادة خام لنحت الذات وخلق المعنى. الأروع هو ذلك المزيج بين كامو وفرانكل؛ فالحياة في جوهرها قد لا تملك معنى ذاتياً (كما يقول كامو)، لكن قدرة الإنسان على اجتراح المعنى من وسط الركام (كما يقول فرانكل) هي ما يجعل "العناء" ثمناً مقبولاً. إن العناء ليس شراً مطلقاً، بل هو الضريبة التي ندفعها مقابل الوعي، والوعي هو الأداة الوحيدة التي تمكننا من تذوق الجمال، والحب، والدهشة.




 إذا خُيرت بين وجود خالٍ تماماً من المعاناة لكنه يفتقر إلى أي عمق أو شعور بالإنجاز، وبين وجود مليء بالتحديات والآلام التي تصقلك وتمنحك لحظات من النشوة الروحية والمعنوية، فأيهما ستختار؟ وهل يمكن للذة أن تُعرف دون نقيضها الألم؟




 الحياة لا تستحق العناء بحد ذاتها كجماد، بل تستحقه بالقدر الذي نضفيه نحن عليها من قيمة. المعاناة حتمية، لكن التعاسة اختيار. إن القيمة لا تكمن في الوصول إلى نهاية الطريق حيث لا عناء، بل في الطريقة التي نحمل بها صليبنا الشخصي ونمضي به نحو قمة جبلنا الخاص. الحياة هي مسرحية عبثية، نحن مخرجوها وممثلوها، وفي هذا الصراع المستمر بين العدم والوجود، نجد أنفسنا، وهذا الوجدان هو المكافأة القصوى. الحياة تستحق العناء لأنها الفرصة الوحيدة المتاحة لنا لنختبر معنى أن "نكون"، بكل ما يحمله هذا الكيان من تناقضات بين النور والظلمة.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

ظاهرة التفكير الزائد "وباء العصر الصامت"

هندسة الروح وعودة الوعي الكلي..خريطة ما بعد الحياة

تشريح الظلام البشري بين الميتافيزيقا والنيورولوجيا: كتاب القسوة الشر البشري والدماغ البشري للكاتبة كاثلين تايلور

كتاب من أين تأتي الأفكار الجيدة \ ستيفن جونسون

شفرة أوكام لماذا الحل الأبسط هو الصحيح غالبًا

استراتيجية تفكيك هيمنة المال واستعادة السيادة البشرية