جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو
يُعد كتاب المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، والصادر في منتصف السبعينيات، بمثابة زلزال معرفي أعاد صياغة فهمنا ليس فقط للمؤسسة العقابية، بل للطريقة التي تعمل بها السلطة في المجتمعات الحديثة، هذا العمل لا يزال يمثل المختبر الحقيقي لفهم كيف يتم "صناعة" الفرد الحديث، فوكو هنا لا يكتب تاريخاً تقليدياً للسجن، بل يكتب "تاريخاً للحاضر"، باحثاً عن اللحظة التي تحولت فيها السلطة من ممارسة السيادة عبر التنكيل بالجسد، إلى ممارسة الضبط عبر تقويم الروح وتشكيل السلوك، الكتاب يمثل رحلة تشريحية تبدأ من صرخات المعذبين في الساحات العامة وتنتهي بصمت الزنازين والرقابة الرقمية غير المرئية التي نعيشها اليوم.
الفصل الأول: التعذيب والجسد المستباح
يبدأ فوكو بمقارنة صادمة بين مشهدين تفصل بينهما ثمانية عقود فقط، المشهد الأول هو الإعدام العلني والتمثيل بجثة "داميان" الذي حاول قتل الملك في عام ١٧٥٧، حيث يُقطع لحمه بالملقاط المحمى ويُحرق بالكبريت وتُمزق أطرافه بالخيول، والمشهد الثاني هو جدول زمني صارم لدار إصلاحية في عام ١٨٣٧.
يقول فوكو عن هذا التحول:
"إن اختفاء التعذيب هو إذاً اختفاء الاستعراض، وسقوط القيد عن الجسد، لم يعد الجسد هو الهدف الأساسي في الممارسة العقابية، بل الروح، إن العقوبة لم تعد موجهة للجسد ككتلة مادية، بل أصبحت تستهدف النفس، الفكر، الإرادة، والميول، لقد كف الجلاد عن كونه فناناً في الألم، ليحل محله جيش من الإخصائيين، الأطباء النفسيين، والمربين"
يشرح فوكو هنا أن السلطة في العهد الملكي كانت تحتاج لـ "احتفالية الألم" لتثبت سيادتها، فكل جريمة كانت اعتداءً على هيبة الملك، وكان التعذيب استرداداً لتلك الهيبة، لكن السلطة اكتشفت لاحقاً أن هذا العنف العشوائي قد يثير تعاطف الجمهور، فقررت الانتقال إلى عقاب أكثر خفاءً وأشد فتكاً.
الفصل الثاني: المحاكمة والعقاب اللطيف
في هذا الجزء يتحدث فوكو عن حركة الإصلاح القانوني في القرن الثامن عشر، حيث بدأ الفلاسفة يطالبون بعقوبات إنسانية، لكن فوكو برؤيته الثاقبة يرى أن الهدف لم يكن "الإنسانية" بل "كفاءة السلطة".
هنا يقول:
"لا ينبغي لنا أن نرى في حركة الإصلاح هذه محاولة لجعل العقوبة أكثر رأفة، بل محاولة لجعلها أكثر انضباطاً وتوزيعاً، كان الهدف هو وضع حد للتجاوزات والممارسات الاعتباطية للسلطة، وتحويل العقوبة إلى تقنية دقيقة لا تُفلت أحداً"
لقد أراد المصلحون تحويل المجتمع إلى "مدينة عقابية" حيث تُستخدم الرموز والعلامات بدلاً من السلاسل، بحيث يرى كل مواطن في الجريمة خسارة له، لكن هذا المشروع سرعان ما تم تجاوزه لصالح مشروع أكثر شمولية وهو السجن.
الفصل الثالث: الانضباط والأجساد الطائعة
هذا هو قلب الكتاب النابض، حيث يحلل فوكو كيف انتقلت تقنيات الانضباط من الدير والجيش إلى المدرسة والمصنع والمستشفى، السلطة هنا لا تمنع بل "تنتج"، هي تنتج "أجساداً طائعة" عبر توزيع الأفراد في المكان، ومراقبة الزمن، وتدريب الحركات.
يقول فوكو:
"لقد تشكلت في القرنين السابع عشر والثامن عشر تكنولوجيا عامة للسيطرة، إنها تقنية الانضباط التي تجعل من الجسد أداة مفيدة، إن الانضباط يصنع الأفراد، إنه التقنية النوعية لسلطة تعتبر الأفراد كأشياء وكأدوات لعملها"
ومن هنا نصل إلى استعارة "البانوبتيكون" أو "المراقب الشامل" لجيريمي بنثام، وهو تصميم هندسي للسجن يسمح لمراقب واحد برؤية كل السجناء دون أن يروه هم، وهذا يولد لدى السجين شعوراً دائماً بأنه مراقب، مما يجعله يراقب نفسه بنفسه.
يعلق فوكو:
"إن الأثر الرئيسي للبانوبتيكون هو إحداث حالة واعية ودائمة من المرئية لدى المحتجز، تضمن العمل التلقائي للسلطة، بحيث لا يكون من الضروري ممارسة السلطة فعلياً ما دام الفرد مقتنعاً بأنه تحت النظر الدائم".
يمثل فصل البانوبتيكون في كتاب المراقبة والمعاقبة لميشيل فوكو اللحظة المعرفية الأكثر لمعاناً وخطورة في تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة، فالبانوبتيكون ليس مجرد تصميم معماري لسجن ابتكره جيريمي بنثام، بل هو كما يصفه فوكو دياغرام أو مخطط تقني لوظيفة السلطة في أبهى صورها التجريدية، أن فوكو لم يكن يتحدث عن قضبان حديدية، بل كان يتنبأ بهيكلية الوجود الإنساني في العصر الرقمي، البانوبتيكون هو تقنية تهدف إلى جعل السلطة مرئية لكنها غير قابلة للتحقق، أي أن الفرد يعرف أن هناك عيناً تراقبه لكنه لا يعرف متى تنظر إليه بالضبط، مما يدفعه إلى استبطان هذه الرقابة وتحويلها إلى رقابة ذاتية.
يقول فوكو:
" إن المبدأ الأساسي للبانوبتيكون هو أن يكون المحتجز محاصراً في حالة من المرئية الدائمة والمستمرة، ففي البرج المركزي هناك مراقب، وفي الزنازين المحيطة هناك أفراد معزولون تماماً عن بعضهم البعض لكنهم مكشوفون تماماً للمركز، إن هذا الترتيب يحقق غاية مذهلة، وهي انفصال الزوج رؤية/أن تكون مرئياً، ففي البرج نرى دون أن نُرى، وفي الزنزانة نُرى دون أن نرى، وهذا يؤدي إلى نتيجة حتمية وهي أن المحتجز يصبح هو نفسه الحامل للسلطة التي تمارس عليه، إنه يسجل في ذاته علاقة السلطة التي يلعب فيها الدورين معاً، فيصبح هو القيد وهو السجان، وهو الضابط لنفسه وفقاً للمعيار الذي تفرضه العين الغائبة الحاضرة."
عندما نسقط هذا التحليل على واقع وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، نكتشف أننا انتقلنا من البانوبتيكون المكاني إلى البانوبتيكون الرقمي أو السيبراني، فمنصات مثل فيسبوك، إنستغرام، وتيك توك هي في جوهرها زنازين زجاجية اختيارية، نحن في وسائل التواصل الاجتماعي لا نُوضع في الزنزانة قسراً، بل نبنيها بأنفسنا ونزين جدرانها بالصور والمنشورات، إن الرقابة في العصر الرقمي لم تعد تمارسها الدولة فقط عبر أجهزتها الأمنية، بل يمارسها الجميع ضد الجميع، فالجمهور هو المراقب، والخوارزمية هي البرج المركزي غير المرئي، واللايك أو الإعجاب هو المعيار الذي يحدد مدى انضباطنا داخل هذه المنظومة، نحن نعدل سلوكنا، ننتقي كلماتنا، ونصنع صوراً مثالية لحياتنا لأننا ندرك أننا تحت المراقبة الدائمة من قبل الآخرين ومن قبل النظام التقني.
يضيف فوكو في فقرة أخرى شديدة الأهمية:
"إن البانوبتيكون هو مختبر لتعديل السلوك، ولتجربة العلاجات، ولإعادة تربية الأفراد، فالسلطة هنا لا تكتفي بالمنع، بل هي سلطة منتجة، إنها تنتج المعرفة حول الأفراد من خلال مراقبتهم، وفي عالمنا اليوم، تحولت بياناتنا الشخصية، ميولنا، وتحركاتنا الرقمية إلى مادة معرفية ضخمة (البيانات الكبيرة) تستخدمها السلطات الرأسمالية والسياسية للتنبؤ بسلوكنا وتوجيهه، إننا نعيش في حالة من الشفافية القسرية حيث لم يعد هناك مكان للسر أو الخصوصية، الخصوصية في منطق البانوبتيكون الرقمي هي جنوح أو رغبة في الإفلات من معيار الانضباط العام، ولذلك يُنظر إلى من يغلق حساباته أو يرفض الظهور بأنه مريب أو خارج عن النظام."
إن أخطر ما في البانوبتيكون الرقمي هو تحوله إلى متعة، فوكو تحدث عن ألم الرقابة واستلابها، لكننا اليوم نمارس استعراضية راديكالية، نحن نتسابق لنكون مرئيين، إن الرؤية التي كانت عقاباً في السجن أصبحت هي الجائزة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنها جائزة مسمومة، لأن ثمنها هو الخضوع المطلق للمعايير الجمالية والأخلاقية والسياسية التي تفرضها المنصة، إن الفرد الحديث يمارس على نفسه عملية تجميل معنوية وسلوكية دائمة ليرضي العين الجمعية، وهذا هو قمة النجاح التقني للسلطة، أن تجعل الفرد يستمتع بعبوديته وبكونه موضوعاً للمراقبة المستمرة.
يقول فوكو:
" إن السلطة الانضباطية هي سلطة تخترق الأفراد، فهي لا تضغط عليهم من الخارج بل تشكلهم من الداخل، وهذا هو بالضبط ما تفعله وسائل التواصل الاجتماعي، إنها تشكل أذواقنا، تحدد لنا ما هو مضحك وما هو محزن، ما هو بطولي وما هو تافه، إننا لا نستهلك التكنولوجيا بل التكنولوجيا هي التي تستهلك ذواتنا وتعيد صياغتها، فكل تعليق نكتبه وكل صورة ننشرها هي تقرير نرفعه بمحض إرادتنا إلى البرج المركزي، نحن الجواسيس على أنفسنا، ونحن الجلادون الذين يعاقبون ذواتهم إذا لم يحصدوا عدداً كافياً من التفاعلات، إن القلق الرقمي المعاصر هو صدى مباشر لرهبة السجين في البانوبتيكون عندما يشعر أن عين المراقب قد انصرفت عنه أو أنها ترمقه بنظرة ازدراء."
يمكننا القول إن البانوبتيكون قد خرج من جدران السجن ليصبح هو الهواء الذي نتنفسه، لقد تحول العالم إلى سجن كبير بلا جدران، حيث الرقابة هي الضوء الذي يسمح لنا بالوجود، فإذا لم تكن مرئياً رقمياً فأنت غير موجود وجودياً، وهذه هي المفارقة الكبرى التي لو عاصرها فوكو لربما أضاف فصلاً جديداً بعنوان ولادة المواطن الشفاف، إننا نعيش في استبداد النور، حيث يتم محو الظلال التي كان يمكن للإنسان أن يختبئ فيها ليكون نفسه بعيداً عن أحكام الآخرين، إن المجتمع الحديث لم يعد يحتاج إلى سلاسل، فالخوارزمية هي القيد الأكثر مرونة وقوة في تاريخ البشرية.
إذا كانت السلطة قد نجحت في إقناعنا بأن الرقابة الدائمة هي وسيلة للتواصل والتحقق الذاتي، فهل لا تزال المقاومة ممكنة، أم أننا فقدنا حتى القدرة على تخيل حياة خارج حدود الرؤية الرقمية؟
الفصل الرابع: السجن والمجتمع السجني
يتساءل فوكو في الختام: لماذا استمر السجن رغم فشله المعترف به في تقليل الجريمة؟ الجواب هو أن السجن ينجح في وظيفة أخرى، وهي "إنتاج الجنوح" وتنظيمه، السجن يعزل المجرمين في غيتوهات مراقبة، مما يسهل على السلطة استخدامهم كأدوات للضبط الاجتماعي أو في الاقتصاد التحتي.
يقول فوكو:
"إن السجن ليس مجرد بناء، بل هو نظام ينتشر في كامل النسيج الاجتماعي، إننا نعيش في أرخبيل سجني، حيث تتشابه المدارس مع المصانع، والمصانع مع الثكنات، والثكنات مع السجون، فهل من المستغرب أن تشبه السجون المصانع والمدارس والمستشفيات، التي تشبه جميعها السجون؟"
إن السجن بهذا المعنى هو التجسيد الأقصى للمجتمع الحديث الذي تحول فيه كل شيء إلى موضوع للدراسة، الفحص، والتقويم.
أن عظمة هذا الكتاب تكمن في كشفه عن "ميكرو-فيزياء السلطة"، السلطة عند فوكو ليست مركزية في يد حاكم، بل هي شبكة من العلاقات تخترق أجسادنا وعقولنا، إن ما نسميه "النفس" أو "الروح" هي في الحقيقة سجن للجسد، لأنها النقطة التي تزرع فيها السلطة معاييرها وأخلاقياتها، فوكو يقلب الموازين التقليدية، فالوعي ليس أداة للتحرر بل هو أداة للضبط، والعلوم الإنسانية (علم النفس، الاجتماع) لم تنشأ لفهم الإنسان بل لتمكين السلطة من التحكم فيه بشكل أدق عبر تصنيفه (سوي/منحرف، عاقل/مجنون).
إذا كان "البانوبتيكون" في عصر فوكو يتطلب جدراناً وأبراجاً للمراقبة، فكيف نعرّف "السجن الرقمي" اليوم، حيث نساهم نحن طواعية في كشف خصوصيتنا وتغذية خوارزميات الرقابة، وهل أصبحنا نعيش في سجن بلا قضبان، حراسه هم نحن أنفسنا؟
إن كتاب المراقبة والمعاقبة ليس مجرد كتاب في التاريخ، بل هو مرآة كاشفة لواقعنا المعاصر، فوكو لم يقدم لنا حلولاً بل قدم لنا أدوات للتحليل، لقد علمنا أن الحرية ليست مجرد غياب القيود المادية، بل هي الوعي بالقيود المعرفية والنفسية التي تُفرزها مؤسساتنا، إننا لا نزال نعيش في "عصر الانضباط" ولكن بأدوات أكثر نعومة وذكاءً، إن ولادة السجن كانت في الحقيقة ولادة للإنسان ككائن خاضع، والتحرر الحقيقي يبدأ من رفض هذه القوالب الجاهزة التي تُصاغ بها ذواتنا.

تعليقات
إرسال تعليق