"رحلات غليفر": جوناثان سويفت
كتاب "رحلات غليفر" للكاتب الأيرلندي جوناثان سويفت. إن هذا العمل ليس مجرد حكاية للأطفال أو مغامرة خيالية كما تروج لها بعض الاختصارات المخلة، بل هو "مانيفستو" صارخ في نقد الطبيعة البشرية وتشريح دقيق لمفهوم الدولة، والمجتمع، والعلم، والأخلاق. سويفت لم يكتب رحلاته ليسلي القارئ، بل كتبها، كما قال في إحدى رسائله، "ليثير حنق العالم لا ليرفه عنه". إننا بصدد رحلة أنثروبولوجية في أعماق النفس البشرية، حيث يتحول غليفر من جراح واثق في الحضارة إلى كائن يعاف بني جنسه.
الجزء الأول: الرحلة إلى ليليبوت (أرض الأقزام)
تبدأ الرحلة في ليليبوت، حيث يجد غليفر نفسه عملاقا وسط بشر لا يتجاوز طولهم ست بوصات. في هذا الجزء، يستخدم سويفت "تغيير الحجم" كأداة للسخرية من الغرور البشري. إن هؤلاء الأقزام يمتلكون كل عيوب البشر الكبار: الطموح السياسي الزائف، الصراعات الدينية التافهة، والنزاعات العسكرية على أتفه الأسباب.
يشرح سويفت من خلال هذا الفصل كيف أن السياسة في إنجلترا (التي تمثلها ليليبوت) تقوم على الرقص على الحبال للحصول على المناصب، وكيف أن الحروب العظمى قد تنشب بسبب الخلاف على "أي طرف يجب كسر البيضة منه".
غليفر، رغم قوته التي تمكنه من سحقهم، يجد نفسه مقيدا بخيوطهم الكثيرة، وهو رمز لكيفية تقييد الأنظمة الفاسدة للعظماء. أن سويفت يسخر من "المركزية البشرية"، فكلما صغر حجم الكائن، بدت مشاكله العظمى نكتة سمجة، وهو ما أراد سويفت أن يقوله عن ملوك أوروبا وصراعاتهم التي لا تراها العين المجردة من منظور كوني.
من الجزء الأول:
"لقد استمر هذان الحزبان، (الرؤوس العالية والرؤوس المنخفضة)، في عداوة شديدة لسنوات طويلة، ولا يمكن لأحدهما أن يطيق الآخر، لدرجة أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتحدثون معا. أما عن قضية البيض، فقد ذكرت لنا السجلات أن أسلافنا كانوا يكسرون البيض من الطرف العريض، ولكن جده للإمبراطور الحالي، عندما كان طفلا، جرح إصبعه وهو يكسر بيضة، فأصدر الإمبراطور مرسوما يقضي بأن يكسر الجميع بيضهم من الطرف المستدق، مما أدى إلى ست ثورات فقد فيها أحد الأباطرة حياته وآخر عرشه".
هذا النص هو قمة الهجاء السياسي والديني. سويفت يسخر من الحروب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت في عصره، مشبها إياها بالخلاف على كسر البيضة. إنه يشرح كيف أن السلطة تستخدم قوانين تافهة لفرض السيطرة، وكيف أن دماء البشر تسيل لأسباب لا قيمة لها في جوهر الوجود.
الجزء الثاني: الرحلة إلى بروبدينغناغ (أرض العمالقة)
في هذا الجزء، تنعكس الآية، فيصبح غليفر هو القزم الصغير وسط عمالقة يبلغ طولهم ستين قدما. هنا، يضع سويفت الإنسان تحت المجهر الحقيقي. العمالقة ليسوا وحوشا، بل هم بشر يتسمون بنوع من "البساطة الأخلاقية" التي يفتقدها غليفر.
عندما يحاول غليفر التباهي بعظمة إنجلترا واختراعاتها، مثل المدافع والبارود، يصاب ملك العمالقة بالرعب والاشمئزاز.
في هذا الفصل "القبح الجسدي والأخلاقي". يصف غليفر مسام جلد العمالقة والقمل الذي يمشي عليهم بوصفه مقززا، وهو ما يفعله سويفت ليرينا حقيقتنا المادية لو نظرنا إليها عن قرب.
في هذا الجزء تظهر حوارات ملك العمالقة التي تشرح أن الذكاء البشري الموجه نحو التدمير هو أحط أنواع الوجود، وأن السياسة الحقيقية يجب أن تكون أخلاقية وعملية وليست تلاعبا بالألفاظ والأسلحة.
من الجزء الثاني:
"بعد أن استمع الملك إلى وصفي المطول لتاريخنا ولقوانيننا ومؤسساتنا في أوروبا، قال لي: يا صديقي الصغير، لقد أثبت أن الجهل والكسل والرذيلة هي المكونات الوحيدة للمشرع البشري. إنني لا أستطيع إلا أن أستنتج أن معظم أبناء جنسك هم أخبث سلالة من الحشرات الصغيرة المقيتة التي سمحت لها الطبيعة يوما بالزحف على وجه الأرض".
هذا التصريح هو أحد أقسى الانتقادات في تاريخ الأدب. سويفت، بلسان الملك، يجرد البشرية من كبريائها. نقد "التقدم الحضاري" الذي لا يرافقه تقدم أخلاقي. الملك يرى أن كل تعقيدات القانون والسياسة ليست سوى وسائل لإخفاء الرذيلة، وأن الإنسان في جوهره لم يرتفع عن مستوى الحشرات إلا في قدرته على التدمير.
الجزء الثالث: الرحلة إلى لابوتا وبالنيباربي ولوغناغ (أرض العلم الزائف)
هذا الجزء هو نقد لاذع للعقلانية المحضة والعلم الذي ينفصل عن الواقع. في جزيرة لابوتا الطائرة، يعيش علماء وفلكيون مهووسون بالنظرية لدرجة أنهم يحتاجون لمن يضربهم بـ "أكياس هواء" ليتنبهوا للواقع. وفي أكاديمية "لاغادو"، نرى علماء يحاولون استخراج أشعة الشمس من الخيار أو تحويل البراز إلى طعام.
سويفت هنا يهاجم "الجمعية الملكية" في عصره، و يهاجم "اليوتوبيا العلمية" التي تتجاهل احتياجات الإنسان الأساسية. كما يزور غليفر أرض الخالدين (السترولبرغ)، ليكتشف أن الخلود دون شباب دائم هو أبشع لعنة يمكن أن تصيب الإنسان، حيث يعيش هؤلاء في بؤس أبدي وتدهور عقلي. نقد سويفت للتاريخ أيضا، حيث يستحضر غليفر أرواح العظماء ليكتشف أن التاريخ مكتوب بالأكاذيب وأن الأبطال الحقيقيين كانوا أوغادا في الواقع.
من الجزء الثالث:
"كان هؤلاء الخالدون (السترولبرغ) يمثلون أبشع مشهد يمكن للعين أن تراه؛ لم يكونوا يمتلكون فقط رذائل الشيخوخة العادية، بل كانوا محرومين من أمل الموت الذي هو العزاء الوحيد للبشر. لقد اكتشفت أن الرغبة في الحياة الطويلة هي خطأ بشري فادح، لأن الطبيعة جعلت الموت رحمة لا يدركها إلا من يرى الخلود في صورة هؤلاء البؤساء".
يطرح سويفت هنا قضية وجودية كبرى: "معنى الموت". إن الخلود الذي يسعى إليه البشر هو كابوس إذا لم يصاحبه تجدد. سويفت يفكك هنا رغبة الإنسان الأزلية في البقاء، موضحا أن المحدودية هي ما يعطي للحياة قيمتها، وأن السعي وراء المستحيلات العلمية أو الوجودية يؤدي إلى دمار الحاضر.
الجزء الرابع: الرحلة إلى أرض الهويهنهمز (أرض الخيول العاقلة والياهو)
هذا هو الجزء الأكثر إثارة للجدل، حيث يصل غليفر إلى مجتمع تحكمه خيول عاقلة (الهويهنهمز) بينما يعيش البشر (الياهو) كحيوانات متوحشة، قذرة، وغير عاقلة.
هنا يصل هجاء سويفت لذروته؛ فـ "الهويهنهمز" كائنات تعيش وفق "العقل المحض"، لا تعرف الكذب، ولا الحسد، ولا الحرب. في المقابل، "الياهو" هم بشر بالكامل في تشريحهم، لكنهم يمثلون الرذيلة الخالصة.
غليفر يدرك بأسى أنه "ياهو" متطور قليلا. في هذا الفصل يضرب في مقتل مفهوم "الإنسان كحيوان عاقل". سويفت يرى أن الإنسان ليس عاقلا، بل هو "كائن لديه القدرة على العقل ولكنه يستخدمها لتبرير رذائله". تنتهي الرحلة بعودة غليفر إلى إنجلترا، لكنه لا يطيق رائحة البشر، حتى زوجته وأبنائه، ويفضل العيش في الإسطبل مع الخيول.
من الجزء الرابع:
"عندما أفكر في الياهو الذين يملكون السلطة والقوة، والذين يستخدمون ما يسمونه عطلا ليحطموا به بعضهم البعض، أدرك أن العقل حين يمتزج بالرذيلة يكون أسوأ من الوحشية المجردة. إن الهويهنهمز لا يملكون كلمة للكذب في لغتهم، لأن الغرض من الكلام هو الإفهام، فإذا كذب المرء، بطل الغرض من الكلام تماما".
هذا النص يحلل فساد "اللغة" و"العقل". سويفت يرى أن الحيوانات (الخيول في القصة) أكثر شرفا لأنها لا تزييف الواقع. "كراهية البشر" (Misanthropy) النابعة من خيبة الأمل. العقل البشري بالنسبة لسويفت هو أداة للجريمة المنظمة، بينما العقل الحقيقي هو الذي يؤدي إلى الفضيلة التلقائية.
أن "رحلات غليفر" هي أعظم "تشريح للمجتمع" في الأدب العالمي. سويفت لم يترك ركنا من أركان الحضارة إلا وهدمه. في ليليبوت، هدم "الغرور السياسي"؛ وفي بروبدينغناغ، هدم "الكبرياء الجسدي"؛ وفي الثالثة، هدم "الغرور العلمي"؛ وفي الرابعة، هدم "النوع البشري" برمته.
الكتاب مبني على هيكل متين ينتقل من الخارجي (السياسة) إلى الداخلي (النفس).
أسلوب سويفت يتسم بـ "الواقعية الصارمة"، فهو يصف العجائب بلغة جراح بارد، مما يجعل الهجاء أكثر إيلاما. إن سويفت يواجهنا بمرآة مشوهة، لكن المشكلة ليست في المرآة بل في الوجوه التي تعكسها.
إننا أمام نص "ديستوبي" مبكر، يتنبأ بأن العلم والسياسة إذا انفصلا عن الأخلاق سيحولان العالم إلى "لابوتا" طائرة أو "إسطبل" للياهو. المراجعة الفنية للعمل تظهر عبقرية سويفت في استخدام "المفارقة"؛ فهو يجعلنا نضحك في البداية على الأقزام، ثم ندرك في النهاية أننا نحن هؤلاء الأقزام.
إن الكتاب دعوة للانكسار المعرفي، للتواضع، ولإدراك أن "العقل" مسؤولية وليس مجرد ميزة بيولوجية. إنه نص لا يشيخ لأن الأمراض التي شخصها سويفت في القرن الثامن عشر (الحروب التافهة، العلم العقيم، فساد السلطة) ما زالت هي أمراض القرن الحادي والعشرين.
أن سويفت كان يمارس نوعا من "التطهير بالصدمة". عندما وصف غليفر وهو في أرض العمالقة كيف يرى الثآليل والشعر الخشن على وجوه السيدات الجميلات، كان يقصد تحطيم "الصنم الجمالي" ليرينا الحقيقة المادية. سويفت فيلسوف مادي في هذا الجانب، يرفض الرومانسية الزائفة. كما أن موقفه من "العلم" في الجزء الثالث ليس عداء للعلم بحد ذاته، بل هو صرخة ضد العلم الذي لا يحسن حياة الناس، وضد العلماء الذين يعيشون في أبراج عاجية بينما الشعب يتضور جوعا. أما الجزء الرابع، فهو الاختبار الحقيقي للقارئ؛ هل سيتعاطف مع غليفر في كرهه للبشر؟ أم سيفهم أن سويفت يحذرنا من الوصول إلى تلك المرحلة عبر إصلاح أنفسنا؟
إن "رحلات غليفر" لجوناثان سويفت ستظل صرخة مدوية في وادي البشرية. إنها ليست مجرد كتاب، بل هي فحص مجهري لضمير العالم. سويفت لم يكن يكره البشر، بل كان يكره "الفساد في البشر"، وكان يحلم، بطريقة مقلوبة، بعالم يسوده العقل والصدق كما في أرض الهويهنهمز. إن قراءة هذا الكتاب هي رحلة مؤلمة لكنها ضرورية لكل من يريد أن يفهم حقيقة اللعبة السياسية والاجتماعية. لقد قدم سويفت في هذا العمل "دستور الحقيقة" الذي لا يتغير بتغير الأزمان، مؤكدا أن العظمة لا تقاس بالطول ولا بالقوة، بل بالاستقامة الأخلاقية والقدرة على رؤية الذات دون زيف.
إذا كان العقل البشري، كما يقول سويفت، هو الأداة التي نستخدمها لزيادة رذائلنا بدلا من التخلص منها، فهل يمكن اعتبار "الجهل الفطري" للحيوان أرقى أخلاقيا من "الذكاء المشوه" للإنسان؟

تعليقات
إرسال تعليق