رسائل من تحت الأرض: فيودور دوستويفسكي
رواية رسائل من تحت الأرض للعبقري الروسي فيودور دوستويفسكي. هذا العمل ليس مجرد رواية أو سرد قصصي تقليدي، بل هو صرخة وجودية مدوية، وانفجار سيكولوجي يفكك أوهام العقلانية المفرطة والتفاؤل الساذج الذي ساد أوروبا في القرن التاسع عشر. إنها الوثيقة التأسيسية القوية للفلسفة الوجودية قبل أن تتبلور كتيار أو مذهب رسمي بسنوات طويلة. دوستويفسكي هنا يشرّح الروح البشرية بمشرط لا يرحم، كاشفا عن أدق التناقضات، والعُقَد الدفينة، والرغبة الأصيلة في التدمير الذاتي، والتمرد المطلق ضد أي محاولة لتأطير الإنسان داخل معادلات رياضية أو يوتوبيا مجتمعية مصطنعة.
ينقسم هذا الكتاب هيكليا وموضوعيا إلى قسمين رئيسيين يمثلان تنظيرا فلسفيا مجردا يليه تطبيق عملي مأساوي لحياة البطل.
القسم الأول: قبو الوعي والتنظير الفلسفي
القسم الأول وهو عبارة عن مونولوج داخلي مكثف وحاد وعنيف، يمثل اعترافات رجل القبو، وهو موظف حكومي متقاعد يعيش في عزلة تامة واغتراب كامل عن المجتمع. في هذا القسم الذي يشكل الكتلة الفلسفية الأكبر للرواية، يشن دوستويفسكي هجوما كاسحا ومستميتا على النظريات العقلانية والنفعية التي تدعي بخفة أن الإنسان كائن عقلاني بحت يسعى دائما وأبدا لمصلحته الشخصية وتحقيق السعادة.
يجادل رجل القبو بضراوة بأن الوعي المفرط هو في الحقيقة مرض عضال، مرض خبيث يشل قدرة الإنسان الأصيلة على الفعل العفوي ويغرقه في دوامة لا تنتهي من التردد والشك والتحليل المفرط للدوافع.
يرى البطل أن المتعة الإنسانية قد تنبع أحيانا وبشكل متناقض من الألم نفسه، ومن إدراك المرء العميق لمدى انحطاطه وانهياره الداخلي، وهو ما يوضحه بمثال ألم الأسنان المستمر وكيف يمكن للإنسان المريض أن يجد لذة غريبة وخبيثة في أنين معاناته الذي يتعمد أن يزعج به الآخرين من حوله. يرفض البطل بشدة وقسوة استعارة قصر البلور، وهو الرمز الذي استخدمه فلاسفة عصره للتعبير عن المجتمع المثالي القائم على العلم والمنطق المطلق والتخطيط الشامل، معتبرا إياه مجرد سجن ذهبي يخنق الإرادة الحرة للإنسان ويحوله إلى مفتاح بيانو أو مجرد برغي في آلة ضخمة. بالنسبة لرجل القبو، الإرادة الحرة، حتى لو كانت إرادة مدمرة، فوضوية، وغير عقلانية بالمرة، هي أثمن وأقدس ما يملكه الإنسان على الإطلاق لأنها تثبت فردانيته وحياته المستقلة.
إن صيغة اثنان زائد اثنان يساوي أربعة هي بالنسبة له قانون موت ونهاية للبحث البشري وليست قانون حياة، والإنسان الحر قد يفضل أحيانا وبكامل إرادته أن يكون الناتج خمسة لمجرد إثبات حريته المطلقة في التمرد على الحتميات الطبيعية والقوانين العمياء التي تسلبه كرامة الاختيار المستقل.
هذا القسم من الكتاب هو تشريح دقيق ومخيف للعناد البشري، وللجانب المظلم وغير العقلاني المتأصل في الروح الإنسانية والذي يستحيل ترويضه أو إخضاعه لجداول الخبراء الاقتصاديين أو المصلحين الاجتماعيين مهما حاولوا، مؤكدا أن الطبيعة البشرية أعقد بكثير من أن يتم اختزالها في معادلة نفعية تبحث عن اللذة وتتجنب الألم.
القسم الثاني: مهداة إلى الثلج الندي والتطبيق المأساوي
ينتقل بنا العبقري دوستويفسكي ببراعة من التنظير الفلسفي المجرد في القسم الأول إلى السرد الروائي التطبيقي القاسي في القسم الثاني، ليثبت لنا بشكل ملموس كيف تعيش هذه الأفكار المشوهة والمعقدة في الواقع العملي وكيف تدمر صاحبها وكل من يقترب منه.
يعود البطل بذاكرته المريضة إلى سنوات شبابه الباكر، ساردا سلسلة من الأحداث المخزية والمؤلمة التي تبرز تناقضاته الصارخة وعجزه التام والمطلق عن الانخراط في أي حياة اجتماعية طبيعية أو سوية.
يبدأ السرد بتصادمه التافه والغريب مع ضابط شرطة في حانة، حيث يقضي البطل شهورا طويلة يخطط لانتقام سخيف يتمثل فقط في مجرد الاصطدام بكتف الضابط في الشارع العام لحفظ كرامته المهدرة، مما يعكس بوضوح مدى هشاشته النفسية وتضخم ذاته المرضي الخفي.
ثم ينتقل الكاتب إلى الحدث الأبرز والأكثر إيلاما وهو عشاء مع زملاء دراسته القدامى، وعلى رأسهم شخصية زفيركوف الناجحة اجتماعيا. في هذه الحادثة الطويلة، يتعمد رجل القبو إهانة نفسه والآخرين بشكل متكرر ومستفز، مدفوعا بمزيج سام وقاتل من عقدة النقص الشديدة والشعور الكاذب والمتضخم بالتفوق الفكري والثقافي عليهم. إنه يريد بشدة أن يفرض سيطرته الفكرية عليهم وأن يحظى باعترافهم، لكنه ينتهي به الأمر محتقرا، منبوذا، ومثيرا للشفقة والاشمئزاز.
تبلغ المأساة الإنسانية ذروتها القصوى والموجعة في لقائه بعد العشاء مع ليزا، الفتاة الباغية الشابة. في البداية، يستخدم البطل فصاحته اللغوية ووعيه الثقافي الزائف ليلعب ببراعة دور المنقذ والمصلح الأخلاقي، محطما دفاعات ليزا النفسية بكلمات قاسية وخطب رنانة عن مصيرها المظلم وبشاعة مهنتها، مما يدفعها للانهيار التام والبكاء المرير والأمل المفاجئ في الخلاص عبر حبه النبيل المزعوم. ولكن الصدمة تأتي لاحقا عندما تأتي ليزا بالفعل إلى قبوه البائس، باحثة بصدق عن الخلاص والحب الحقيقي الذي وعدها به، هنا ينكشف وجهه الحقيقي المرعب. ينهار قناعه الأخلاقي المزيف تماما ليظهر رجلا حاقدا، ضعيفا، عاجزا تماما عن الحب، ومكبلا بكراهية عميقة لذاته وللعالم. يقوم بإهانتها بقسوة بالغة ويسخر من مشاعرها، بل ويدفع لها المال في النهاية ليؤكد على مهنتها ويهين إنسانيتها، ليسقط هو بلا رجعة في الحضيض الأخلاقي والنفسي بينما ترتفع هي فوقه بكرامتها الإنسانية ورفضها لماله ومغادرتها في صمت.
هذا القسم يبرهن بقوة فلسفية لا تدحض على أن العزلة الاختيارية والوعي المفرط عندما يوجدان دون تفاعل إنساني سوي ومحبة حقيقية، يخلقان مسوخا عاجزة عن التواصل الفعال، وأن الإرادة الحرة المتطرفة عندما تنفصل عن التعاطف البشري تؤدي حتما إلى تدمير الذات وتدمير الآخرين الأبرياء.
إن رواية رسائل من تحت الأرض تقف كواحدة من أعظم وأعمق التحليلات النفسية والفلسفية في تاريخ الأدب العالمي بلا منازع، فهي ليست مجرد قصة عن رجل مضطرب اجتماعيا، بل هي مرآة ضخمة تعكس أزمات الإنسان الحديث المعقدة والمستعصية على الحلول السطحية. أن هذا العمل يشكل النواة الصلبة والمبكرة التي بنيت عليها لاحقا وبشكل واضح أفكار كبار فلاسفة الوجودية مثل فريدريك نيتشه وفرانتس كافكا وجان بول سارتر.
دوستويفسكي في هذا العمل لا يسعى لتقديم حلول مريحة أو نهايات سعيدة للقارئ، بل يلقي بنا بقسوة في قاع مظلم وبارد ليجبرنا على مواجهة أسوأ ما فينا من نقائص وتناقضات. البطل، الذي لا يمتلك اسما في الرواية ليكون رمزا شموليا، هو في الحقيقة انعكاس لجزء منا جميعا في لحظات ضعفنا البشري، في لحظات حقدنا الخفي والمكتوم، وفي لحظات رفضنا للمنطق السليم والمصلحة المجردة لمجرد العناد وإثبات الذات المتضخمة. لقد نجح الكاتب العظيم ببراعة منقطعة النظير في تصوير التمزق الروحي الهائل بين الرغبة العميقة في التواصل الإنساني والحب والانتماء، وبين العجز المرضي الساحق عن تحقيق ذلك بسبب الكبرياء الزائف والوعي المفرط الذي يحلل كل نبضة قلب وكل دافع بشري حتى يفرغه من معناه ويقتله في مهده.
إن الرفض القاطع الذي يعلنه البطل لليوتوبيا الاجتماعية وقصر البلور العقلاني هو صرخة تحذير مبكرة وعميقة جدا ضد كل الأيديولوجيات الشمولية والأنظمة التقنية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، والتي حاولت وتحاول باستماتة قولبة الإنسان وتنميطه وتحويله إلى مجرد مفتاح مطيع في آلة مجتمعية أو اقتصادية ضخمة تلغي تفرده.
يطرح الكتاب ببلاغة إشكالية الحرية المرعبة؛ فالحرية الحقيقية عند دوستويفسكي ليست مجرد القدرة على فعل الخير أو تحقيق المنفعة الذاتية كما يروج الفلاسفة الماديون، بل هي القدرة الأصيلة والمخيفة على اختيار الألم، المعاناة، الخطأ، وحتى التدمير الذاتي، كدليل قاطع ونهائي على امتلاك الإرادة المستقلة غير الخاضعة للحتمية.
المراجعة النقدية العميقة لهذا النص المعقد تكشف بوضوح أن بطل القبو يعاني من انفصال حاد ومميت بين عالم الفكر والنظرية وبين عالم الفعل والواقع. هو يقرأ الكتب بنهم، ويتشرب مبادئ الرومانسية المثالية والأدب الرفيع، ولكنه بمجرد أن ينزل إلى أرض الواقع المعاش للاحتكاك بالبشر، يجد نفسه عاجزا، ضعيفا، ومثير للشفقة، فيلجأ فورا إلى محاولة الانتقام من هذا الواقع القاسي عبر تحقير نفسه وتحقير الآخرين من حوله.
إن مشهد النهاية المفجع مع ليزا هو بلا شك من أقصى المشاهد قسوة وصدقا في الأدب الإنساني قاطبة، حيث يضحي البطل الغبي بفرصته الوحيدة والذهبية للخلاص المتمثلة في الحب الصادق والتقبل غير المشروط الذي عرضته عليه، مفضلا الانغلاق والعودة للبقاء في قبوه النتن والمأمون نفسيا بدلا من تحمل المخاطرة الكبرى المتمثلة في الانفتاح الصادق على إنسان آخر وبناء علاقة حقيقية تتطلب شجاعة الضعف والمكاشفة.
هذا الكتاب الفذ يعلمنا درسا قاسيا بأن العقل والمنطق المادي وحدهما لا يكفيان أبدا لقيادة الإنسان نحو السكينة، وأن تجاهل العواطف الإنسانية الأساسية وازدراء الروح يؤدي إلى خلق مسوخ فكرية معذبة. إنه تحذير تاريخي من أن التقدم المادي والعلمي الهائل، إذا لم يصاحبه نضج روحي عميق وتعاطف إنساني حقيقي، فإنه سيقود البشرية جمعاء إلى قبو عالمي واسع من الاغتراب المدمر والعدمية الخانقة.
إن عظمة دوستويفسكي الخالدة تكمن في قدرته الفائقة على استخراج أعمق الحقائق الفلسفية وأكثرها تعقيدا من أكثر الشخصيات الإنسانية انحطاطا وتهميشا وبؤسا، جاعلا من قبو بائس ورطب في مدينة سانت بطرسبرغ منصة كونية لإطلاق أسئلة خالدة لا تموت حول معنى الوجود، حقيقة الإرادة الإنسانية، التمرد، ومأساة الوعي البشري في مواجهة عبثية الحياة.
من القسم الأول قبو الوعي المفرط:
"أقسم لكم أيها السادة أن الإفراط في الوعي هو مرض، مرض حقيقي خطير ومتأصل. من أجل مقتضيات الحياة اليومية للإنسان، فإن مقدارا عاديا من الوعي هو أمر كاف تماما، أي جزء من نصف أو ربع ذلك المقدار الذي يصيب رجلا متعلما في قرننا التاسع عشر البائس... إنني على يقين تام ومطلق من أن الوعي المفرط هو داء، بل إن أي وعي هو داء بحد ذاته. وسأذهب إلى أبعد من ذلك لأقول إن المتعة الجوهرية تكمن في الوعي الواضح جدا بانحطاط المرء، في الشعور العميق بأن المرء قد وصل إلى الجدار الأخير، وأنه من المستحيل أن يكون غير ذلك، وأنه ليس هناك مخرج، وأنه لا يمكنه أبدا أن يصبح شخصا آخر."
يطرح هذا النص الفلسفي المعضلة الوجودية الكبرى والمركزية في العمل بأكمله وهي مأساة الوعي. في الفلسفة الكلاسيكية وعصر التنوير، كان الوعي والعقل هما طريق الخلاص الأوحد والسبيل المباشر للوصول للحقائق وتحقيق السعادة البشرية، لكن هنا يقلب الخبير النفسي دوستويفسكي الطاولة تماما على هذه المسلمات. الوعي المفرط، والتأمل الزائد والمستمر في كل فعل ورد فعل وكل فكرة تمر بالذهن، يؤدي حتما إلى شلل الإرادة وانعدام القدرة على الفعل. الإنسان العقلاني جدا الذي يفكر في كل الاحتمالات الممكنة ويتشعب في تحليل دوافعه الخفية ودوافع الآخرين، ينتهي به الأمر إلى العجز التام عن اتخاذ أي موقف حاسم أو عيش اللحظة بعفويتها.
يصبح الوعي هنا عبئا مرعبا يثقل كاهل الروح، يمنع الإنسان السوي من الانخراط العفوي والطبيعي في الحياة وتيارها، ويحبسه كليا في قبو أفكاره المظلمة حيث تتضخم التفاهات وتتحول بالتحليل إلى كوارث نفسية لا مخرج منها. أن التحليل الذاتي المفرط لا يجلب الحكمة كما نظن، بل يجلب اليأس وتقبل الهزيمة الحتمية أمام جدار الوجود المستعصي على الفهم.
من القسم الأول التمرد على الحتمية والمنطق النفعي:
"أيها السادة، ألستم تعتقدون أن من الممكن أن يكون الإنسان يفضل شيئا آخر غير الرفاهية والسعادة؟ أليس من الممكن أن يكون يحب المعاناة بنفس المقدار تماما؟ أليس من الممكن أن تكون المعاناة مفيدة له تماما كما هي الرفاهية؟ إن الإنسان يحب المعاناة إلى حد الشغف العنيف، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها... إنني مقتنع إقناعا تاما بأن الإنسان لن يتخلى أبدا في أي وقت من الأوقات عن المعاناة الحقيقية، أي عن الدمار والفوضى والتخريب. فالمعاناة بعد كل شيء هي السبب الأوحد والمنبع الوحيد للوعي. وحتى لو كنت قد صرحت بأن الوعي هو أعظم مصائب الإنسان، فإنني أعلم أن الإنسان يحبه حبا جما ولن يستبدله بأي إشباع أو رضا دنيوي آخر."
هذا النص المزلزل هو حجر الزاوية الأساسي في الهجوم الفلسفي على الفلسفة النفعية الإنجليزية وحتمية العقل المادي البارد. يتحدى دوستويفسكي هنا بكل شراسة الفكرة السطحية القائلة بأن الإنسان يسعى دائما وأبدا للسعادة والراحة وتجنب الألم كمبدأ غريزي ثابت.
نرى هنا إعلانا صريحا وعميقا بأن طبيعة الإرادة الإنسانية تتجاوز بكثير المنطق النفعي الرياضي. المعاناة في هذا الطرح ليست دائما شيئا سلبيا يجب الهروب منه والتخلص منه، بل هي أداة قوية لإثبات الوجود وتأكيد الاستقلالية الفردية المهددة بالانسحاق.
إن الفوضى والدمار الذاتي اللذين يختارهما الإنسان هما طريقتان صارختان يصرخ بهما الإنسان في وجه المنظومة قائلا أنا لست مفتاحا في آلة مجتمعية، أنا كائن حر مستقل حتى لو كانت حريتي تعني ألمي ودماري المطلق. المعاناة هي التي تبقي الوعي يقظا وحيا وتمنع التخدير التام، بينما الرفاهية المطلقة والمضمونة والمجتمعات المصممة رياضيا، المتمثلة في رمز قصر البلور، قد تؤدي بالضرورة إلى تبلد الروح، وموت الفردانية، وفقدان الإنسان لجوهره القائم على الاختيار والصراع.
من القسم الثاني لقاء ليزا وفلسفة الحب المشوه:
"لقد كنت في تلك اللحظة القاسية أرغب بشدة في أن أثبت قوتي وسيطرتي عليها، كنت أريد أن أراها تبكي أمامي، كنت أريد أن أحطم قلبها وأن أستمتع بدموعها وانهيارها... الحب، في نظري وفي أعماق وعيي المريض، كان يعني دائما الحق المطلق في الاستبداد بالآخر، الحق في تعذيب المحبوب والسيطرة عليه. في الواقع، لم أتمكن أبدا في مسار حياتي كلها من تخيل أو فهم أي نوع آخر من الحب غير هذا، وقد وصلت إلى حد أنني في قرارة نفسي لا أستطيع أن أتصور أو أتقبل حبا لا يبدأ من استعباد شخص لآخر وخضوعه التام."
يعكس هذا الاقتباس الصادم الكارثة السيكولوجية والروحية الهائلة الناتجة عن العزلة الطويلة، والانفصال عن البشر، وتضخم الذات المرضي الذي ينمو في الظلام. رجل القبو الذي غرق في النظريات وتجاهل المشاعر، يقف عاجزا تماما عن تجربة الحب بمعناه الحقيقي، النبيل والإنساني، والذي يتطلب بالضرورة التكافؤ، المساواة، التعاطف، والانفتاح المتبادل. بدلا من ذلك، ينظر إلى الحب كساحة معركة قاسية وميدان حرب، صراع إرادات دنيء يسعى فيه باستماتة لتعويض نقصه الداخلي وإذلاله الاجتماعي المتراكم من خلال فرض السيطرة النفسية والروحية على كائن أضعف منه ومنهار بالفعل.
هذا المضمون يفسر بدقة الطبيعة السادية والماسوشية المتشابكة والمعقدة في شخصيته؛ فهو يستعذب تعذيب الآخرين والسيطرة عليهم بنفس المقدار الذي يستعذب فيه تعذيب نفسه وانسحاقها. إنها فلسفة القوة المشوهة والمريضة التي تنشأ حتما في غياب القيم الروحية والإنسانية العميقة، وهي تطلق جرس إنذار مرعب يحذرنا من أن العقلانية المجردة من التعاطف الإنساني والحب الصادق لا تنتج سوى وحوشا بشرية تتغذى على آلام الآخرين لتشعر بوجودها.
أن قبو دوستويفسكي الموصوف في الرواية ليس مجرد مكان جغرافي أو قبو حقيقي تحت الأرض، بقدر ما هو حالة نفسية، اجتماعية، وروحية مظلمة. نحن إذا تأملنا عصرنا الحالي، نجد أننا نعيش اليوم في عصر مليء بقبو الوعي الافتراضي؛ حيث أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتقوقع المستمر خلف الشاشات والأجهزة الذكية يخلق نسخا حديثة وملايين النسخ من رجل القبو. أفراد يتمتعون بوعي مفرط واطلاع واسع على كل شيء، نقاد لاذعون يحللون كل تفصيلة في حياة الآخرين، يطلقون الأحكام والنظريات، لكنهم في الوقت ذاته عاجزون تماما عن بناء علاقات إنسانية حقيقية، دافئة، وعميقة في الواقع المادي الملموس.
استشرف هذا الاغتراب الحديث والتفكك المجتمعي بدقة مرعبة قبل حدوثه بأكثر من قرن. علاوة على ذلك، لا يمكن لأي باحث إغفال التأثير المباشر والعميق لهذا الكتاب بالتحديد على الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي صرح علانية بعد قراءته للرواية أن دوستويفسكي هو عالم النفس الوحيد الذي تعلم منه شيئا ذا قيمة في حياته. فمفهوم الإرادة الحرة المعاندة والتمرد على القطيع المطروح هنا يتقاطع بشكل كبير وجذري مع مفهوم إرادة القوة وتجاوز الأخلاق التقليدية عند نيتشه، وإن كان دوستويفسكي يطرح فرضيته في سياق مأساوي مسيحي يحتاج في النهاية إلى الخلاص الروحي والمحبة الغائبة لإنقاذ الإنسان، وليس مجرد تجاوزها لإنسان أعلى كما يرى نيتشه. أن الكتاب لم يكن وليد صدفة بل كان حجر الأساس لما أطلق عليه لاحقا فلسفة العبث والوجودية التي أطرت تفكير القرن العشرين بأكمله.
تقف رواية رسائل من تحت الأرض كمعلم فكري شاهق لا يتجاوزه الزمن ولا يحده مكان، وكتاب مرجعي لا يقرأ لغرض التسلية أو المتعة العابرة، بل لغرض التشريح الذاتي القاسي والمواجهة الصادقة مع النفس. لقد نجح الكاتب الفذ فيودور دوستويفسكي بعبقرية استثنائية في أن يضع مرآة مكبرة وصافية أمام أشد زوايا النفس البشرية عتمة وتعقيدا، مجبرا إيانا كقراء وباحثين على الاعتراف المؤلم بأن داخل كل إنسان منا، مهما ادعى العقلانية والاتزان، يقبع رجل قبو صغير ومضطرب ينتظر اللحظة المناسبة ليتمرد على كل منطق، وليثبت حريته وفردانيته ولو كان ذلك على حساب تدمير ذاته وتدمير من حوله.
إن هذا العمل الأدبي الضخم هو في جوهره صرخة دفاع عن الطبيعة الإنسانية بكل ما تحمله من عيوب، تناقضات، هشاشة، ولاعقلانية، ضد كل المحاولات السطحية والعلمية لتبسيط روح الإنسان وتحويله إلى مجرد معادلة رياضية جامدة أو ترس ميت في آلة التقدم المادي الحديث.
إن قراءة وتفكيك هذا الكتاب هي بلا شك رحلة ذهنية مؤلمة ومزعجة، ولكنها في الوقت ذاته ضرورية وحتمية لكل باحث صادق عن الحقيقة الوجودية، فهو يهدم الأوهام المريحة ليبني على أنقاضها وعيا جديدا يعترف بقيمة الألم المتأصلة وقيمة الحرية المطلقة، ويؤكد بشكل قاطع ومستمر على أن الخلاص الإنساني الحقيقي لا يكمن أبدا في الوصول إلى قصر البلور المادي البارد والمثالي، بل يكمن فقط وحصريا في قدرة الإنسان الصعبة على المحبة الصادقة والتضحية، وهي القدرة الوحيدة التي يتجاوز بها قبوه المظلم والفردي نحو رحابة النور والتواصل البشري العميق الذي يعطي للوجود معناه وقيمته.
هل تعتقد أن الإنسان المعاصر، بكل ما يمتلكه من تطور تكنولوجي هائل، ومعرفة علمية تراكمية، وإمكانيات مادية ضخمة لتحقيق الرفاهية وقصر البلور الحديث، قد نجح أخيرا في الخروج من قبو وعيه المفرط وعزلته النفسية، أم أنه في الحقيقة قد استبدل جدران القبو الحجرية الرطبة بجدران أخرى إلكترونية ورقمية أكثر تعقيدا وشفافية، ليظل حتى يومنا هذا حبيس تناقضاته المستمرة وعجزه المؤلم عن تحقيق تواصل إنساني صادق، دافئ، ومجرد من الأقنعة والنظريات؟

تعليقات
إرسال تعليق