في فلسفة الضحك والوجع
رواية "ليس بدون ضحك" للعبقري لانغستون هيوز، وهي ليست مجرد سرد قصصي، بل هي وثيقة أنثروبولوجية وفلسفية تؤرخ للروح البشرية في مواجهة القهر. نُشرت هذه الرواية عام 1930، في ذروة نهضة هارلم، لكنها خالفت السائد حينذاك؛ فلم تذهب إلى صخب نيويورك، بل عادت إلى الجذور، إلى كنساس، لتروي قصة الصبي "ساندي" وعائلته. إن الفلسفة الكامنة هنا هي فلسفة "البلوز"، تلك القدرة العجيبة على تحويل الألم إلى نغمة، والدمع إلى ضحكة ساخرة تتحدى العدم. هيوز لا يكتب عن أبطال خارقين، بل عن بشر يتنفسون، يخطئون، ويغنون فوق أنقاض أحلامهم.
الفصل الأول: العاصفة والوتد الروحي
تبدأ الرواية بعاصفة تضرب بلدة ستانتون، وهي رمزية قوية لعدم الاستقرار الذي يحيط بحياة السود. هنا نتعرف على "هاجر" الجدة، التي تمثل الأرض والتقاليد والدين.
" كانت هاجر تعتقد أن الرب يرسل العواصف ليذكر البشر بضعفهم، وكانت تجلس على شرفتها تراقب الغيوم السوداء وهي تقول: يا رب، نحن بين يديك، افعل بنا ما تشاء ولكن لا تنسَ أننا من طين. إن الضحك يا ساندي هو الملح الذي يحمي اللحم من العفن حين تشتد الرطوبة."
تمثل هاجر هنا "الرواقانية المسيحية". إنها تؤمن بأن المعاناة جزء من القدر، وأن الصمود الأخلاقي هو الوسيلة الوحيدة للنجاة. الضحك عندها ليس قهقهة مجردة، بل هو فعل صمود ميتافيزيقي.
الفصل الثاني: جيمي بوي ونغمة التمرد
يظهر "جيمي بوي"، والد ساندي، كشخصية بدوية روحيا، يرفض القيود ويجد عزاءه في الغيتار والبلوز.
"حين كان جيمي بوي يداعب أوتار غيتاره، كان الصمت يطبق على الحي. لم يكن يغني كلمات، بل كان يغني تنهدات الأجيال التي سارت حافية تحت الشمس. كان يقول: إذا لم أضحك اليوم على فقري، فسيأكلني هذا الفقر حيا قبل أن تغرب الشمس. الموسيقى هي طريقتي في إخبار العالم أنني لا أزال هنا، وأنني لست مجرد رقم في سجلات العمل."
جيمي بوي يمثل "الوجودية الجمالية". إنه يرفض العمل المضني الذي يحول الإنسان إلى آلة، ويختار الفن كوسيلة للتحرر، حتى لو كان ثمنا لذلك هو التشرد وعدم الاستقرار.
الفصل الثالث: هارييت وضجيج المدن
هارييت، خالة ساندي، هي الروح المتمردة التي ترفض دين أمها وقيود المجتمع الصغير، لتنغمس في عالم الرقص والليل.
" لن أصلي لرب يطلب مني أن أكون خادمة للأبد في بيوت البيض. أريد أن أرتدي الحرير، أريد أن أضحك بأعلى صوتي في الملاهي حيث لا يراقبني أحد ليقول لي إن هذا خطيئة. إذا كانت حياتي جحيما، فسأرقص في وسط النار."
هارييت تجسد الصراع بين الأصالة والتبعية. إنها تختار "لذة اللحظة" كنوع من الاحتجاج السياسي ضد واقع لا يقدم لها أي أمل في الترقي الاجتماعي التقليدي.
الفصل الرابع: تيمبي وسراب الاندماج
على النقيض من هارييت، نجد "تيمبي" الأخت الأخرى التي تحاول التشبه بالبيض في عاداتهم وقراءاتهم، معتقدة أن الثقافة هي المنجي.
"كانت تيمبي تقرأ الكتب وتتحدث بلغة منمقة، وتحاول نسيان طعم الأطباق الشعبية التي كانت تطبخها أمها. كانت تقول لساندي: التعليم هو سلاحك، لكن عليك أن تترك ضحكات الزنوج الصاخبة خلفك، فالرقي لا يسكن القهقهات."
هنا يطرح هيوز معضلة "الاغتراب الطبقي". تيمبي فقدت هويتها في محاولة اكتساب مكانة اجتماعية، وهي تمثل الفلسفة النخبوية التي ترى في الفلكلور الشعبي عائقا أمام التقدم.
الفصل الخامس: رحيل الجدة وانكسار الحلم
موت الجدة هاجر يمثل نقطة تحول كبرى، حيث ينهار الوتد الذي كان يجمع شتات العائلة.
" حين ماتت هاجر، بدا وكأن الأرض قد فقدت جاذبيتها. لم يعد هناك من يصلي، ولم يعد هناك من يطبخ لقمة العيش بمحبة. ساندي وقف وحيدا يتساءل: هل يضحك الموتى أيضا؟ أم أن الضحك ميزة للأحياء الذين لا يزال لديهم متسع من الوقت للبكاء؟"
هذا الفصل يناقش "الفراغ الوجودي". الجيل القديم كان يمتلك يقينا روحيا، أما ساندي (الجيل الجديد) فيجد نفسه في مهب الريح، باحثا عن معنى جديد يتجاوز الدين التقليدي.
أن "ليس بدون ضحك" هي مرافعة عن "الحق في الإنسانية". لانغستون هيوز يجادل بأن الضحك ليس إنكارا للواقع، بل هو "تجاوز" له. إن الشخصيات في الرواية تعاني من الفقر، العنصرية، والتفكك، ومع ذلك يصرون على استخراج المتعة من أبسط الأشياء. أن السيطرة على "رد الفعل" (الضحك) هي القوة الوحيدة التي لا يمكن للمستعمر أو العنصري انتزاعها من الإنسان.
الرواية تقدم تشريحا دقيقا للطبقية داخل المجتمع الواحد. نحن لا نرى صراعا بين سود وبيض فحسب، بل صراعا داخليا بين من يريد الحفاظ على هويته الإفريقية وبين من يريد الذوبان في قيم الرجل الأبيض. ساندي، بطل الرواية، هو الاسفنجة التي تمتص كل هذه التيارات، وفي النهاية يدرك أن قوته تكمن في قدرته على الجمع بين ثقافة تيمبي (التعليم) وروحيّة هارييت وجيمي بوي (الفن والحياة).
أن هذه الرواية تظل صالحة لكل زمان ومكان، لأنها تلمس جوهر المعاناة البشرية. إنها تخبرنا أن اليأس هو ترف لا نملكه. إذا توقفنا عن الضحك، فقد استسلمنا تماما. الضحك في أدب هيوز هو "فعل سياسي" بامتياز. إنه إعلان بأن الروح لا تزال نابضة رغم كل محاولات التدجين والتركيع.
إذا كان الضحك هو الوسيلة الوحيدة للنجاة من واقع مأساوي، فهل يعتبر هذا الضحك نوعا من الشجاعة الوجودية أم أنه مجرد آلية دفاعية للهروب من مواجهة الحقيقة المرة؟
رواية "ليس بدون ضحك" ليست مجرد حكاية عن صبي أسود في كنساس، بل هي نشيد كوني للروح البشرية التي ترفض الانكسار. لانغستون هيوز، بلغة شاعرية وبصيرة فلسفية نافذة، استطاع أن يخلد حياة المهمشين ويجعل من حزنهم منارة للوعي. إنها دعوة لنا جميعا لنبحث عن ذلك "الضحك" الكامن في أعماقنا، ليس لتجاهل آلامنا، بل لامتلاك القوة اللازمة لتحويل تلك الآلام إلى وقود للتغيير والبقاء.


تعليقات
إرسال تعليق