قصيدة البكاء بين يدي زرقاء اليمامة للشاعر أمل دنقل

 









قصيدة البكاء بين يدي زرقاء اليمامة للشاعر المصري العبقري أمل دنقل. تمثل هذه القصيدة وثيقة تاريخية وفلسفية ووجدانية تجسد لحظة الانكسار الكبرى في الوعي العربي بعد هزيمة عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين. لم يكتب دنقل مجرد مرثية لوطن جريح، بل صاغ محاكمة وجودية قاسية للذات وللآخر وللسلطة وللتاريخ بأسره. إننا أمام نص يتجاوز حدود الزمان والمكان ليلامس جوهر المأساة الإنسانية حين يصطدم العقل بالعبث، وحين تُداس البصيرة تحت أقدام الجهل والتجاهل.


أيتها العرافة المقدَّسةْ ..


جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ


أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة


منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.


أسأل يا زرقاءْ ..


عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء


عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة


عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء


عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..


فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !


عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!


أسأل يا زرقاء ..


عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !


عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟


كيف حملتُ العار..


ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !


ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !


تكلَّمي أيتها النبية المقدسة


تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْ


لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..


تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !


تكلمي ... لشدَّ ما أنا مُهان


لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران !


ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..


ولا احتمائي في سحائب الدخان !


.. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة


( كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْق


فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ


وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة ..


رطَّب باسمك الشفاه اليابسة ..


وارتخت العينان !)


فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟


والضحكةَ الطروب : ضحكتهُ..


والوجهُ .. والغمازتانْ ! ؟


* * *


أيتها النبية المقدسة ..


لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..


لكي أنال فضلة الأمانْ


قيل ليَ "اخرسْ .."


فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !


ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان


أجتزُّ صوفَها ..


أردُّ نوقها ..


أنام في حظائر النسيان


طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .


وها أنا في ساعة الطعانْ


ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ


دُعيت للميدان !


أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..


أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..


أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،


أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة !!


تكلمي أيتها النبية المقدسة


تكلمي .. تكلمي ..


فها أنا على التراب سائلٌ دمي


وهو ظمئُ .. يطلب المزيدا .


أسائل الصمتَ الذي يخنقني :


" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "


أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!"


فمن تُرى يصدُقْني ؟


أسائل الركَّع والسجودا


أسائل القيودا :


" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "


" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "


أيتها العَّرافة المقدسة ..


ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟


قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..


فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !


قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..


فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !


وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..


والتمسوا النجاةَ والفرار !


ونحن جرحى القلبِ ،


جرحى الروحِ والفم .


لم يبق إلا الموتُ ..


والحطامُ ..


والدمارْ ..


وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ


ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،


وفي ثياب العارْ


مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة !


ها أنت يا زرقاءْ


وحيدةٌ ... عمياءْ !


وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ


والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ !


فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها


كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله.. المموَّها.


في أعين الرجال والنساءْ !؟


وأنت يا زرقاء ..


وحيدة .. عمياء !


وحيدة .. عمياء !






الفصل الأول:التوظيف للأسطورة وسقوط البصيرة

 

يستدعي أمل دنقل شخصية زرقاء اليمامة، تلك العرافة الأسطورية في التراث العربي التي كانت ترى عن مسيرة ثلاثة أيام، والتي حذرت قومها من زحف الأعداء متخفين خلف الأشجار فلم يصدقوها حتى وقعت الواقعة. في هذا النص، زرقاء اليمامة ليست مجرد رمز تراثي، بل هي المعادل الموضوعي للمثقف الشاعر، أو الطليعة الواعية التي رأت ملامح الكارثة قبل وقوعها وصرخت محذرة، لكن صرختها ضاعت في وادي الصمم المفتعل. يبدأ الشاعر قصيدته من نقطة النهاية، من لحظة الهزيمة الساحقة، حيث يزحف مثخنا بالطعنات فوق الجثث المكدسة. إن الاستعانة بالزرقاء هنا هي صرخة عتاب، استجواب للقدر وللحكمة التي لم تنفع. الشاعر يسأل العرافة المقدسة لا ليعرف المستقبل، فالمستقبل قد صار حاضرا دمويا، بل يسألها عن جدوى الرؤية في عالم أعمى. إن فمها الياقوت ونبوءتها العذراء لم يمنعا الرصاصة من اختراق رأس الجاري الذي يهم بارتشاف الماء، مما يطرح تساؤلا حول عجز المعرفة عن إيقاف عجلة الموت والدمار.




الفصل الثاني:جدلية التهميش والموت المجاني


يغوص دنقل في البعد الاجتماعي والطبقي للمأساة بحرفية فيلسوف يفكك بنية المجتمع. تتجلى هذه الفلسفة في المقطع الذي يتحدث فيه عن خدمته في عبيد عبس، في استدعاء واضح لقصة عنترة بن شداد، ولكن بمفارقة مبكية. البطل هنا ليس بطلا ملحميا، بل هو إنسان مقهور سلبوه حقه في الحياة الكريمة وحق النطق والتعبير. قيل لي اخرس فخرست وعميت، هكذا يصف الشاعر حالة الخنوع المفروضة على الشعوب. المفارقة القاسية تكمن في ساعة الطعان، حين تخاذل الكماة والفرسان، أي الطبقة الحاكمة والمستفيدة من مقدرات الوطن، دُعي هذا المهمش إلى الميدان. أنا الذي ما ذقت لحم الضأن، أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان، أدعى إلى الموت ولم أدع إلى المجالسة. هنا تتجلى قمة العبثية الوجودية، حيث يُطلب من الإنسان الذي حُرم من ثمار الحياة أن يقدم دمه ثمنا لبقاء أولئك الذين سلبوه حقه. هذا النص يعتبر من أقوى الصرخات في وجه الظلم الاجتماعي، حيث يتحول الموت إلى ضريبة يدفعها الفقراء نيابة عن الأغنياء الذين قايضوا بنا والتمسوا النجاة والفرار.




الفصل الثالث:سيكولوجية العار والتشظي النفسي


 لا تقتصر القصيدة على رصد الهزيمة العسكرية، بل تعمق الجراح لتصل إلى التشظي النفسي وتجربة العار الداخلي. كيف حملت العار ثم مشيت دون أن أقتل نفسي، هذا التساؤل المروع يعكس أزمة الوجود بعد تحطم الكرامة. الشاعر يصف حالة من التعري النفسي والمادي، حيث لا الليل يخفي عورته ولا الجدران، ولا حتى سحائب الدخان. إنه عار الهزيمة الذي يلاحق الناجي الوحيد أو الشاهد على المذبحة. تبرز في هذا السياق صورة الطفلة واسعة العينين، ابنة الجندي الشهيد الذي مات عطشا في الصحراء. الشاعر يقف أمام طيفها مدانا، يتساءل أين يخفي وجهه المتهم المدان. إن إحساسه بالذنب لأنه بقي على قيد الحياة بينما مات رفاقه بطرق عبثية ومؤلمة يعكس ما يعرف في علم النفس المعاصر بعقدة الناجي، وهو ما صاغه دنقل بعبقرية شعرية تدمي القلوب.





أن أمل دنقل في هذه القصيدة قد تجاوز فكرة القصيدة السياسية المباشرة إلى تأسيس مذهب شعري جديد يمكن تسميته بالواقعية الكابوسية. يرى بعض النقاد أن القصيدة تغرق في التشاؤم المظلم، ولكني أختلف مع هذا الطرح السطحي. إن استدعاء عبارة ما للجمال مشيها وئيدا، أجندلا يحملن أم حديدا، وهي مقتبسة من التراث، يشير إلى ثقل الأمانة وفداحة الواقع. دنقل لم يكن متشائما بل كان طبيبا جراحا يرفض استخدام المخدر وهو ينظف الجرح المتعفن. إن تعرية الزيف في المشهد الختامي، حيث السيارات الفارهة والأزياء والصفاء الأبله المموه في شوارع المدينة التي لم تعبأ بدماء أبنائها على الجبهة، هي محاكمة أخلاقية للمجتمع الذي يفصل نفسه عن مأساة واقعه. الشاعر هنا يرى أن العرافة أصبحت وحيدة وعمياء ليس لأنها فقدت بصرها فيزيائيا، بل لأن المجتمع فقع عينيها بجهله واستخفافه وماديته.




 أن قصيدة البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ليست مجرد رد فعل انفعالي على حدث تاريخي عابر، بل هي مرآة خالدة تعكس أزمة العقل العربي والإنساني في مواجهة الاستبداد والتهميش والعمى المتعمد. لقد استطاع أمل دنقل بعبقريته الفذة أن يحول الهزيمة العسكرية إلى انتصار جمالي وشعري، مخلدا صرخة المهمشين والمظلومين عبر الأجيال. إن هذه القصيدة ستظل حية تنبض بالوجع والحقيقة، تذكرنا دائما بأن الكلمات البائسة لا تفيد حين يكون السيف هو الحكم، وبأن الأوطان لا تُبنى بتهميش أبنائها، بل بالعدل الذي يجعل كل فرد فيها شريكا في الحياة، قبل أن يُطلب منه أن يكون شريكا في الموت. 



بعد كل هذا النزيف الشعري، وبعد أن طُعنت البصيرة وصُلبت الحقيقة على مذبح الهزيمة، هل يعيد التاريخ نفسه في كل عصر، فتبرز زرقاء يمامة جديدة تصرخ محذرة من قوافل الغبار، لتقابل بالسخرية والاتهام بالبوار، أم أن الإنسانية قادرة يوما على أن تستمع لصوت العقل قبل أن تضطر للبكاء فوق الجثث المكدسة؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في ظلال الوعي ورحلة التصالح مع الذات \ ماثيو ماكسويل

لماذا تصمت الحملان؟ كيف تدمر ديمقراطية النخبة والنيوليبرالية مجتمعنا وأسس حياتنا

عواطف الأشخاص الطبيعيين أو انفعالات الأسوياء

جينالوجيا السلطة الحديثة \ ميشيل فوكو

تشريح الظلام البشري بين الميتافيزيقا والنيورولوجيا: كتاب القسوة الشر البشري والدماغ البشري للكاتبة كاثلين تايلور

في فلسفة الضحك والوجع

الوعي كحدث كوني

موت إيفان إيليتش للأديب الروسي ليو تولستوي

الذات والمجتمع من فرويد إلى كريستيفا

العصر العصبي: الإنسان المعاصر مستغلا لذاته وهو يظن أنه يحقق حريته